فوق غمامة الموت يتكئ شيطانٌ أخرس على التابوت المستلقي فوق كتفي الأيمن، الطريق مدنّسٌ في الظلام وقدمي اليمنى تطأ الدرجة الأولى والأخرى لا أجدها في العتمة، ولا أذكر إن كان هناك أخرى أساساً.
في حلق الصمت يهمَسَ الشخص الذي على يميني “إنه شهيد”.. الآخر قال “بل مخرّب”.. ثالث قال “الأمر واضح.. إنه مندسّ”.. همس أحدهم من الخلف “ألا ترون بأنه مناضل”.. الذي في المقدمة قال: “بل جندي كان يقوم بواجبه”.. الحكيم قال “يجب أن ندفنه بأي حال..!!”..
صار لنا ستين يوماً ونحن ندور في حلقة مفرغة بتابوت الشؤوم المُلقى على كاهلنا.. لا نعرف أين ندفنه.. وكيف ندفنه.. ومن سيدفنه.. وكيف ستجري الشعائر الجنائزية عليه.. كل ما أعرفه بأننا كلنا متعبون.. وكلنا نودّ الخلاص من هذا الحمل الثقيل.
تقدّم أحدهم في العتمة وطلب أن ندفنه على الطريقة المسيحية فربما يكون مسيحياً..!! إلا أنّ الشيخ – أو هكذا ظننته – رفض ذلك وطلب أن ندفنه “مسلماً” تبعاً لنظرية الأغلبية كما ادّعى.. وشاعت همهمة كبيرة في الجنازة ولم نصل إلى حل بكل الأحوال.
حاولت أن أرى مَن هؤلاء الذين حولي ومن هوهذا الشخص الذي نحمله على أكتافنا كل هذا الوقت، وبدأت حدقتي عيني تتسعان بحثاً عن تفاصيل الوجوه الغائرة في الفراغ .. لكنني كلّما أمعنت النظر في الآخرين ازدادوا غموضاً.. أقربهم تلاشت ملامحه تماماً..
أين أنفه؟!!
أين أذنه؟!!
أين وجهه؟!!
هل هو مسخ؟!!
أحملق باستدارة وجهه وأغرق في عتمة عيني الثالثة، وأظنني فقأت أخواتها. السواد هنا آلهة، والبياض شيطانٌ فاجر.. وأنا فقدتُ الإحساس بالإحساس.
Read more…
عندما كان أحد كلاب الوالي يموت كنا نبكي عليه كثيراً.. وبحرقة..
لما مات الوالي..لم يبك أحد..
Read more…
مُبللاً بأثقالك واقفاً على باب القيامة، تدقُّ ناقوسك وتحمل وَجهك القديم ذاته، تتصاعدُ في جوفك أدخنة النرجيلة والسجائر والمصانع ولهاثُ المُضّطهدين.. أصدقاؤك يمرّون بك كالغُرباء تشيّعهم المَدينة الكارهة لأبناءها في توابيت شمعية مُسبقة الصّنع، تحملُ الريح جنائزهم وتعلكهم في أتونها المستعر.
وأنتَ أنتْ.. ما زلتَ تتنفس قسوة المدينة وتطيلُ النظرَ في الفراغ الهائل المُحيط بك، تتحشرجُ فيك كلّ الكلمات ويتشقّق لسانك عَطشاً للكلام.. تُدير حانتك بنفسك وتسقي نزلاءك رائحة المصيبة.
Read more…

لا أعرف كيف بدأ الأمر.. كل ما أذكره أنني خرجتُ ذات يوم إلى الشارع.. رأيت بعض الناس وقوفاً يرمقون السماء.. لم أعرهم اهتماماً، كان عددهم قليلاً لكن شيئاً فشيئاً بدأ عددهم بالازدياد..
مع مرور الوقت أصبح كل من في المدينة يرمق السماء.. مئات بل آلاف الناس في الشوارع والساحات والبيوت والأسطح وقفوا بجثثهم المنهكة يتطلعون إلى السماء بأعينٍ فارغة. الصبيان أيضاً وقفوا على أسطح الأبنية التي شهقت على طرفي الشوارع ينظرون إلى السماء بعيونهم المستديرة..
Read more…
متعبة هي السماء فوق مدينتي، النجوم المدفونة في أدخنة المصانع تسير فوقها مترهّلة تشي بالموت، عازف الأوكورديون الضرير تحت الجسر المقابل لشقتي يعزف “فيفالدي” ويبيع الهواء للمارّة؛ المارّة الذين لا يعيرونه أدنى انتباه يسيرون بسرعة في خطوط مستقيمة متقاطعة وغير متقاطعة، المطر يزيد من رتابة خطواتهم. وبرودة الهواء يزيد من تشنّج مفاصلهم..
العاشرة شرقاً؛ العازفُ يستدعي أبدية الجحيم ويلوّن مزاج الليل بملحمة من صنع”فاغنر” هذه المرّة، قلقٌ مرمّد يختزلُ الكلام في فمي.. أعدُّ الموتى في تلك الملحمة: واحد.. اثنان.. أربعة.. عشرة.. تسعة عشر.. وستة وعشرون.. يضيق فرحي أكثر وأنا أراهم يسقطون في عيني.. تضجّ موسيقى جنائزية في رأسي “تباً اللعين لا يعرف المهادنة!!”، أغلقُ ستائر عينيّ وأتكوّر على أطرافي في العتمة.. الكائنات المعطوبة تسرقُ الوجوه التي تضجّ على جدران رأسي.
Read more…
(01): ((مدخل خَطو))
الخيبةُ تسبقُ الموت
والريح تُشعل الرغبة..
ننكفئ على ضلوعنا، كحلزونٍ يعيش الحياة ببطئ.
الأحلام أمٌّ ثكلى.. قد كفّنت أطفالها.
..
في مسائي الماطرِ الأحلام
الأمنيات تنسكبُ من المزاريب.. بسخاء
تجوب الشوارع..
وتمسحها زجاج السيارات..
وجميعها تتجوّف الحفر مبتعدة..
* * *
(02): ((كــ زندقة..))
Read more…

The moon and the graves
ممهورٌ في شطحاتِ بكاء، أمارسُ طقوس اندهاشي اليومية بكامل أناقتي ولباقتي وربطة ياقتي؛ مدينتي السَّمراء تَمشي على قَارعة الأشياء الضَّحلة يُداعبها صَباحٌ مَاجنٌ مُحتشدٌ بِفراغٍ صَدئ..
أنا والقمرُ الحزين ما زِلنا نشهدُ ثَكلَ مَدينتنا هذهِ.. نَنتظرُ في طابورِ الموتى القادم، بَعدنا لا ثمّة مَنْ يَبكيها.. قدْ عادَ الليلُ مبكّراً وَخطفتْ هاويةُ الضّوء المكسور بَقايا أضرحةِ الموتى، وَأنا.. أنا.. أنمّقُ الحديث وألعقُ المطرَ المتساقط مِن مِزرابِ صَباحي.. صُراخي أضحى ثرثرةً وصمتي لا يملّ الانتظار..
اييهٍ أيها العائدُ مِنْ كُوّة نشوّة، تَموجُ وتخورُ وتمورْ كجهنّمٍ عِربيد يفتحُ حوضَ النار “ألا مِن مَزيد”.. “ألا مِن مَزيد..”.. “ألا.. مِن .. مزيييييييييييد”.. تحرقُ فرحي.. تحرقُ أرقي.. وتحرق حتّى مطري..
ولا يطلّ الله من فرجته..
Read more…
مِنْ بَراري اللّيلك.. دَلالة، وعُنقٌ مُتلعٌ يَسترخي عَلى مَوجِ عِناق، يتقدّمه حُلمٌ ينسكبُ مِن أطرافِ مَواسمها، يَترنّم عَلَى نَغمة خِلخالها ألفُ ألف عاشق. مَمشوقة الحرفِ تَخطّ الهَوى.. نَاياً.. شَرقيّ الرنّة، فيُثرثرُ الماءَ كالتماعِ الغَواية تَاركاً في قُزحية الجَسَد..
بَنفسجاً.. عَتّقه غربة المساء..
..
..
..
Read more…
هيَ..
أمتهنُ الهواءَ.. طُقوساً.. وألوكُ الأملَ مُتهالكةً، أكسرُ جَناحاي لأتكأ عليهِما.. وآتيكَ، حُبّي؛ حالة من الجنون.. هُوَ..، كلّما تَسلقتُ العطرَ عَلى خَصرهِ.. ذابَ كالندى..
وكأنثى خابت على جدار قلبكَ، عندما دخّنتها الغَيرةُ من نِسائِكَ.. بتُّ أضاجعُ الغُربة وأحبو على شِفاهٍ مِن مَاء..
..
..
أوّاه.. كم أحبُّ الرقصَ..
عاريةً..
..
..
مِنَ الظلام..
..
..
هوَ..
لكي تسكني شفاهي عليكِ أن تعتلي حُزني.. وَتغمِسي المُقل بالدِّموع، وتُحاصري أنّاتي.. وآناتي.. بارتالِ الفرح، .. ولكي تَحيي في صَدري عليكِ أن تَموتي فيهِ.. كِراراً، فشراييني معتقةٌ بالحُزن، وشفاهي مَصلوبة الأمَل.. وفي ضُلُوعي أعيادٌ مِنَ البُكاء..
أحبكِ..
..
..
..
وما زالَ هُناك مُتسعُ مكانٍ..
.. Read more…
أيَّتها الخرافيّة..
حٌروفك ذاتَ حُلمٍ بسَطوة غِياب.. أفقدتني تَوازُني المُستَعار، وأحدثَتْ في سُويد القَلبِ من الصَّخَبِ مَا أسهرَ هُدُبي، أيَّتها المُسَافرة في عُروُقي.. مَا زِلتُ أحتسي اللَّيل، وألوكُ الصّمت، وَمُلوحة المَاء تَدسّ في جُنوني ضَوضاءاً تأخذُني إلى قَاع طَبَقاتِ الشُّوق..
الأرضُ.. والأشجارُ.. والرصيفُ..
ظمأى..
..
..
Read more…
عابرون تركوا أثراً