<?xml version="1.0" encoding="UTF-8"?>
<rss version="2.0"
	xmlns:content="http://purl.org/rss/1.0/modules/content/"
	xmlns:wfw="http://wellformedweb.org/CommentAPI/"
	xmlns:dc="http://purl.org/dc/elements/1.1/"
	xmlns:atom="http://www.w3.org/2005/Atom"
	xmlns:sy="http://purl.org/rss/1.0/modules/syndication/"
	xmlns:slash="http://purl.org/rss/1.0/modules/slash/"
	>

<channel>
	<title>مدونة مداد &#187; الرصيف (قصص جداً قصيرة)</title>
	<atom:link href="http://nj180degree.com/category/%d9%81%d9%84%d8%b3%d9%81%d8%a9-%d8%b5%d8%a7%d8%ae%d8%a8%d8%a9/%d8%a7%d9%84%d8%b1%d8%b5%d9%8a%d9%81-%d9%82%d8%b5%d8%b5-%d8%ac%d8%af%d8%a7%d9%8b-%d9%82%d8%b5%d9%8a%d8%b1%d8%a9/feed/" rel="self" type="application/rss+xml" />
	<link>http://nj180degree.com</link>
	<description>نقش حروف على جدارية قديمة</description>
	<lastBuildDate>Fri, 30 Jul 2010 11:06:02 +0000</lastBuildDate>
	<generator>http://wordpress.org/?v=2.9</generator>
	<language>en</language>
	<sy:updatePeriod>hourly</sy:updatePeriod>
	<sy:updateFrequency>1</sy:updateFrequency>
	<image>
			<title>مدونة مداد</title>
			<url>http://nj180degree.com/wp-content/uploads/2009/12/60c77122d937fc91c50f4f0378eada46.jpeg</url>
			<link>http://nj180degree.com</link>
			<width></width>
			<height></height>
			<description>نقش حروف على جدارية قديمة</description>
		</image>		<item>
		<title>صور مقلوبة..</title>
		<link>http://nj180degree.com/2010/04/18/up/</link>
		<comments>http://nj180degree.com/2010/04/18/up/#comments</comments>
		<pubDate>Sun, 18 Apr 2010 14:17:38 +0000</pubDate>
		<dc:creator>medaad</dc:creator>
				<category><![CDATA[[فلسفة صاخبة..]]]></category>
		<category><![CDATA[الرصيف (قصص جداً قصيرة)]]></category>
		<category><![CDATA[لواط]]></category>
		<category><![CDATA[أدب]]></category>
		<category><![CDATA[القيصر]]></category>
		<category><![CDATA[اللغة العربية]]></category>
		<category><![CDATA[ابن الكلب]]></category>
		<category><![CDATA[ادب ساخر]]></category>
		<category><![CDATA[ضحك كالبكاء]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://nj180degree.com/?p=3344</guid>
		<description><![CDATA[&#124; 5 &#124;
ارتفع صوت أحد المواطنين مخاطباً القيصر: &#8220;يا سيدي كلنا أولادك ونحب هذا الوطن مثلك تماماً يا سيدي..&#8221; ولم يكمل كلامه.. فقد تم إلقاء القبض عليه من قبل (حماة الوطن مطهّروا الأرض من الشياطين) بتهمة ادّعاءه الانتساب لقيصر.. وقال القاضي في معرض ادّعاءه: (متى كان ابن الكلب ابناً لقيصر؟!!)!!
* * *
&#124; 4 &#124;
طلبوا مني [...]]]></description>
			<content:encoded><![CDATA[<p style="text-align: center;"><strong>| 5 |</strong></p>
<p style="text-align: right;">ارتفع صوت أحد المواطنين مخاطباً القيصر: &#8220;يا سيدي كلنا أولادك ونحب هذا الوطن مثلك تماماً يا سيدي..&#8221; ولم يكمل كلامه.. فقد تم إلقاء القبض عليه من قبل (حماة الوطن مطهّروا الأرض من الشياطين) بتهمة ادّعاءه الانتساب لقيصر.. وقال القاضي في معرض ادّعاءه: (متى كان ابن الكلب ابناً لقيصر؟!!)!!</p>
<p style="text-align: center;">* * *</p>
<p style="text-align: center;"><strong>| 4 |</strong></p>
<p>طلبوا مني أن أعبّر فأنا أملك حرية التعبير كما قالوا.. لم أكن ماهراً في موضوع التعبير.. وعندما عبّرتُ أخيراً قلت: &#8220;لا&#8221;.. أودعوني السجن..</p>
<p style="text-align: center;">* * *</p>
<p style="text-align: center;"><strong>| 3 |</strong></p>
<p style="text-align: right;">هربنا من العمل أنا وهو باكرين وتركنا بقية الموظفين.. في القطار بدأنا نتحدث عن الإخلاص في العمل،  في الكرسي المقابل جلست عاهرة معروفة وقد التفّ حولها الرجال.. كانت تتحدث عن الفضيلة بشكلٍ مبهر.. وكنا نحنُ نستمع بصمت..</p>
<p style="text-align: center;"><span id="more-3344"></span></p>
<p style="text-align: center;">* * *</p>
<p style="text-align: center;"><strong>| 2  |</strong></p>
<p style="text-align: right;">الرجل في جنازة.. الجنازة في المغسل.. والمغسل يملكه الأمير.. الأمير يمارس اللواط بأبناء الشعب.. وأبناء الشعب إما في قصر الأمير أو في المغسل..</p>
<p style="text-align: center;">* * *</p>
<p style="text-align: center;"><strong>| 1 |</strong></p>
<p style="text-align: right;">في قرية الحمقى قاموا بوضع قاموس جديد للغة العربية.. حيث قاموا بإلغاء (نون النسوة) و(تاء التأنيث) وفصل (جمع المذكر السالم) عن (جمع المؤنث السالم) بحيث أصبح الذكور يدرسون (جمع المذكر السالم) و(نا) الدالة على الفاعلين فقط.. فيما تختص الإناث (بنون النسوة) و(تاء التأنيث) و(كان وأخواتها) و(إن وأخواتها).. وتم تقسيم الضمائر بحيث حصل الذكور على (أنا) و(هو) و(هما) و(هم) وحصلت الإناث على &#8220;هنّ&#8221; و&#8221;هي&#8221; فقط.. وتم إلغاء لفظ (اللغة العربية) لأنها مؤنثة وقد تؤدي إلى استثارة شهوات الذكور وتم استبدالها بـ(اللغي العربي).</p>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://nj180degree.com/2010/04/18/up/feed/</wfw:commentRss>
		<slash:comments>21</slash:comments>
		</item>
		<item>
		<title>براءة اختراع</title>
		<link>http://nj180degree.com/2010/02/27/invention/</link>
		<comments>http://nj180degree.com/2010/02/27/invention/#comments</comments>
		<pubDate>Sat, 27 Feb 2010 13:50:02 +0000</pubDate>
		<dc:creator>medaad</dc:creator>
				<category><![CDATA[[فلسفة صاخبة..]]]></category>
		<category><![CDATA[الرصيف (قصص جداً قصيرة)]]></category>
		<category><![CDATA[قصة]]></category>
		<category><![CDATA[وطن]]></category>
		<category><![CDATA[أدب]]></category>
		<category><![CDATA[أدب ساخر]]></category>
		<category><![CDATA[الرصيف قصص قصيرة]]></category>
		<category><![CDATA[ادب ساخر]]></category>
		<category><![CDATA[براءة اختراع]]></category>
		<category><![CDATA[حكومة]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://nj180degree.com/?p=3283</guid>
		<description><![CDATA[حدثت هذه القصة في الشهر الماضي أو ربما في العام 1986 لم أعد أذكر بالضبط، عندما كانت البلاد ترفل بالمخترعين والعباقرة، كان ذلك اليوم سيكون يوماً روتينياً جداً لموظف تسجيل براءات الاختراع في &#8220;وزارة المخترعين المحليين&#8221;، كان قد سجل في ذلك اليوم تسعة عشر اختراعاً مختلفاً. أذكر أن إحدى الاختراعات كانت عبارة عن &#8220;تواليت إفرنجي [...]]]></description>
			<content:encoded><![CDATA[<p>حدثت هذه القصة في الشهر الماضي أو ربما في العام 1986 لم أعد أذكر بالضبط، عندما كانت البلاد ترفل بالمخترعين والعباقرة، كان ذلك اليوم سيكون يوماً روتينياً جداً لموظف تسجيل براءات الاختراع في &#8220;وزارة المخترعين المحليين&#8221;، كان قد سجل في ذلك اليوم تسعة عشر اختراعاً مختلفاً. أذكر أن إحدى الاختراعات كانت عبارة عن &#8220;تواليت إفرنجي أوتوماتيكي&#8221; يقوم أوتوماتيكياً بغسل وتنظيف الـ؟؟؟ بعد الانتهاء من عملية الـ؟؟؟؟.</p>
<p>اختراع آخر كان عبارة عن جهاز يوضع على الفم كلما حاول صاحبه أن يتحدث بصوتٍ عال يقوم بخفض صوته وأحياناً يكتمه تبعاً لنوع الكلمات التي ستصدر منه، وقد لاقى هذا الجهاز استحساناً كبيراً وقام الموظف على الفور بتسجيله وتحويله إلى مصانع دائرة المخابرات والشرطة والأمن القومي ليتم صنع واحد مثله لكل مواطن.. مجاناً.. وتم تكريم صاحبه في ذلك اليوم بمبلغ كبير..</p>
<p>هكذا كانت تجري الأمور في &#8220;وزارة المخترعين المحليين&#8221; بشكلٍ يومي، إلى أن جاء دور أحدهم لتسجيل براءة اختراعه في ذلك اليوم، كان هذا الشخص هو &#8220;أبو فتحي القاووشجي&#8221;، تقدم أبو فتحي القاووشجي بأنفه الكبير المعقوف وسترته الرمادية الطويلة ثم وضع أمام الموظف جميع الأوراق والتواقيع المطلوبة لتسجيل اختراعه وحان وقت معاينة اختراعه ووضعه قيد التجربة بعد أن يقوم هذا الموظف بوضع حافره (ختمه) عليه..</p>
<p><span id="more-3283"></span>نظر إليه الموظف وقد أخفض نظارته السميكة قليلاً وسأل أبو فتحي: أعطني فكرة مختصرة عن اختراعك؟!!</p>
<p>أجاب أبو فتحي القاووشجي بكل ثقة: اختراعي فريد جداً من نوعه، هذا الجهاز يتعرّف على الجواسيس وأعداء الوطن والأمة بمجرد أن تقوم بتوجيهه إلى أي شخص يقوم بتحليل شخصية ذلك الشخص ضمن معادلات حسابية دقيقة ومعقدة جداً ثم يقوم بإطلاق صفير مرتفع إن ثبت أنه عدوٌ للوطن.</p>
<p>ضحك موظف تسجيل براءات الاختراع حتى فاحت رائحة نتنة في المكان، ثم قال باستهزاء: هل تعتقد بأنه يمكن اختراع هكذا شيء؟!!</p>
<p>رد أبو فتحي القاووشجي محتداً: نعم، اختراعي هذا مضمون ومجرب مئة بالمئة..</p>
<p>وافق الموظف على مضض بعد أن رأى إصرار أبو فتحي وأرسله إلى غرفة التجربة؛ في تلك الغرفة قام الموظف بتوجيه الجهاز إلى أبو فتحي القاووشجي نفسه لكن الجهاز لم يطلق أي صفير. أرسل الموظف إلى أمانة السجن المجاورة لـ&#8221;يستعير&#8221; سجيناً للتجربة.. وبالفعل أحضروا سجيناً مُداناً بالجاسوسية والتواطؤ مع الأعداء ضد الوطن ووجهوا الجهاز إليه فأطلق صفيراً مرتفعاً.</p>
<p>هنا بهتُ الموظف وطلب من رئيس القسم أن يحضر فوراً ليرى هذا الاختراع العجيب، وحضر رئيس القسم ورؤساء بقية الأقسام حتى أن رئيس المديرية كلها حضر ليُشاهد الاختراع، وتمّت تجربة الاختراع على عدّة مساجين مُدانين ومُواطنين من الشارع وأثبت الاختراع بالفعل بأنه يعمل مئة بالمئة..</p>
<p>في اليوم التالي تم عرض الاختراع على &#8220;هيئة العلماء والمفكرين&#8221; في البلاد وتمّ استدعاء الكثير من العلماء والمخترعين من أنحاء البلاد أيضاً وقاموا بفحص الجهاز وأكدوا على أن هذا الاختراع يعمل بكلّ كفاءة وهو أفضل اختراع تم اختراعه من قبل أي شخص في العالم كله.. وذاع صيت ذلك الجهاز في جميع أنحاء البلاد شرقاً وغرباً جنوباً وشمالاً كالنار في الهشيم.. وتم وضع حراسة مشددة عليه حتى لا يتمّ سرقته بعد أن ذاعت شهرته.</p>
<p>أما أبو فتحي القاووشجي فقد شُوهد على التلفاز في مقابلات كثيرة وهو يتحدّث عن اختراعه، أذكر أنهم عرضوه في برنامج &#8220;صباح الخير&#8221; وبرنامج &#8220;مساء الليل&#8221; وبرنامج &#8220;ما يطلبه الجمهور&#8221; و&#8221;أرضنا الخضراء&#8221;، وحتى في &#8220;برامج الأطفال&#8221; تم عرضه.. ولا أنسى أيضاً برنامج &#8220;الشرطة في خدمة الشعب&#8221; وقد تم إعفاءه من قول &#8220;يا سيدي&#8221; للمذيع في ذلك الوقت وكانت تلك سابقة لا عهد لنا بها.. ونشرت صوره على صدر الصحف الرسمية وشبه الرسمية وغلاف المجلات العلمية ومجلات التسالي وحتى المجلات الخلاعية.. حتى قررت الحكومة أن تعرض الجهاز في جلسة &#8220;مجلس الشعب&#8221; القادمة ليتم مكافأة أبو فتحي القاووشجي رسمياً.. وقد أعلن رئيس البلاد بأنه سيحضر هذا الاجتماع تبعه في الإعلان وزراء كثر أبدوا رغبتهم في الحضور تزلفاً وتملقاً ونفاقاً للرئيس.. وأعلنت الحكومة بأن هذه المناسبة يجب أن يتم نقلها على التلفزيون المحلي والقنوات الفضائية حتى يشاهد العالم كله قدرة شعبنا على الاختراع والتطوير.</p>
<p>في ذلك اليوم كان مبنى مجلس الشعب محتشداً بأركان الحكومة كلها، من أصغر حاجب في بناء &#8220;وزارة المغتربين الهاربين&#8221;  مروراً برئيس الوزراء انتهاءً برئيس الدولة نفسه.. أما الشوارع المحيطة فكانت مكتظّة بأمواج من البشر لأميال وأميال، لا تستطيع حتى أن ترى نهاية الطوفان البشري المحيط بالشوارع المؤدية إلى مجلس الشعب، وكانت أجهزة الإعلام المحلية والعالمية والشاشات الضخمة قد ملأت الأماكن كلها.. الخلاصة كان ذلك اليوم مثل يوم الحشر تماماً.</p>
<p>بعد أن استقرّ الجميع في القاعة الضخمة لـ&#8221;مجلس الشعب&#8221; واستوى السيد الرئيس على كرسيه ، حضر أبو فتحي القاووشجي وتم وضع الاختراع أمامه بمساعدة الموظف المسؤول عن براءات الاختراع السابق، وبالطبع كان هناك طابور من المساجين المدانين بالجرم المشهود ليتم تجربة الاختراع عليهم، وبالفعل كان الجهاز يطلق صفيراً مختلفاً في كل مرة يتم وضع أحد المدانين أمامه حيث كان حدة الصفير ترتفع وتنخفض حسب المجرم المُدان ودرجة عِداءه للوطن.. وتمّ استدعاء بضعة مواطنين من الشارع وتم تجربة الجهاز عليهم ولم يُسمع أي صفير.</p>
<p>كان كلّ شيء سيسير بشكل طبيعي جداً وكان المستقبل سيكون مشرقاً جداً وكنا نأمل أن تشتري دول العالم هذا الاختراع ليتم تحقيق الرخاء الاقتصادي الذي كان رئيس الدولة يعدنا به منذ أربعة عشر سنة حتى الآن.. إلا أن الرياح لا تجري كما تشتهي السفن، إذ اقترح أحد الصحفيين الأجانب أن يقوم أبو فتحي القاووشجي بتوجيه الجهاز إلى الموظف المسؤول بقسم تسجيل براءات الاختراعات والذي كان يساعده في عمله، فقام الموظف فخوراً بالوقوف أمام الجهاز وقام أبو فتحي بتوجيه الجهاز إليه إلا أن الجهاز أطلق صفيراً حاداً.. مما جعل الجميع في القاعة يهمهم بأن هذا الموظف لابدّ أنه يكنّ العداء للدولة والحكومة.</p>
<p>وما هي إلا لحظات حتى جاء ثمانية رجال مخابرات من أماكن مختلفة من القاعة وألقوا القبض على الموظف وجرجروه ذليلاً أمام أنظار العالم كله من حاضرين في القاعة وأولئك الذين في الشارع عبر الشاشات وأولئك الذين يجلسون في بيوتهم وأيضاً عبر العالم كله..</p>
<p>هنا ابتسم رئيس الوزراء قائلاً: &#8220;ما عنا حدا على راسه ريشة&#8221; أي بما معناه أننا لا نستثني أحداً من القانون مهما كان فالقانون فوق كل شيء، وصفق الجميع بحرارة وابتسم رئيس الدولة وغمز رئيس الوزراء بفرح..</p>
<p>إلا أن ذلك الصحفي الأجنبي قليل الناموس لم يكفّ عن التدخل وطلب أن يتم توجيه الجهاز إلى بعض أعضاء مجلس الشعب، وبالفعل تم توجيه الجهاز إلى بعض أعضاء مجلس الشعب الواحد تلو الآخر وكان كلّما تم توجيهه إلى أحدهم يطلق صفيراً حاداً، ثم يخرج أربعة رجال من مكان ما ويقومون باقتياد ذلك الشخص إلى مكان مجهول..!!<br />
بدأ عدد أعضاء مجلس الشعب يقلّ شيئاً فشيئاً وبدا الارتباك واضحاً على رئاسة مجلس الوزراء ورغم أن الجو شتائي بارد إلا أن قطرات العرق كانت تتساقط من رئيس الوزراء ورئيس البلاد معاً بتناغم غريب.. وكل ذلك كان يُنقل على الهواء مباشرةً للعالم بأسره..</p>
<p>أما أبو فتحي القاووشجي كان مرتبكاً جداً لا يعرف ماذا يفعل، وبين الفترة والأخرى كان يوجه الجهاز إلى نفسه ليتأكد بأنه لا عطل في الجهاز.. ثم توقفت الجلسة لعشرين دقيقة بداعي الاستراحة.</p>
<p>بعد الاستراحة عاد الجميع الى مقاعدهم أو ما تبقى منهم، ومرة أخرى تدخل ذلك الصحفي الأجنبي لعن الله روحه وطلب أن يتم توجيه الجهاز إلى رئيس الوزراء ورئيس البلاد معاً، هنا ضجت قاعة المجلس بالهمهمة والتمتمة وبدأ الناس بالصراخ في الشوارع وانشدّ المشاهدين في أنحاء العالم نحو شاشة التلفاز.. إلا أن الرئيس ابتسم بكل ثقة وطلب من رئيس وزراءه أن يقف أمام الجهاز.</p>
<p>وقف رئيس الوزراء أمام الجهاز مرتعداً وأغمض أبو فتحي عينيه وضغط الزر وأطلق الجهاز صفيراً قوياً لدرجة بأن جميع من في القاعة اضطروا لإغلاق آذانهم من شدة الصوت. بهت رئيس الوزراء وامتقع لونه بشدّة حتى أن قطرات العرق قد جفت في وجهه، وازرقّت شفتاه وجحظت عيناه.. وهنا أمر الرئيس بإلقاء القبض عليه، وتم إلقاء القبض عليه وأخذه إلى المكان المجهول نفسه.</p>
<p>بعد ذلك طلب السيد الرئيس بأن تنتهي الجلسة بشكلٍ غير متوقع، كان وجه السيد الرئيس شاحباً وممتقعاً وشفته السفلى متدلية بشكل غريب، لكن كانت الخطوة الأخيرة في هذه المناسبة هي أن يقوم السيد الرئيس بنفسه بوضع يده على الجهاز ليتم إعلانه جهازاً وطنياً بشكل رسمي وكان واضحاً بأنه لا مهرب له من هذه الخطوة أمام كل هذا الحضور العالمي، لكن بمجرد أن اقترب من الجهاز حتى أطلق الجهاز صفيراً مروّعاً لم يُسمع له مثيل.. قيل بأن بعض الحاضرين قد ثقبت طبلة أذنه في ذلك اليوم، وبأن بعض الكاميرات قد تحطمت عدساتها.. وقف الجميع كحرف الألف في القاعة مشدوهين غير مصدقين وذهل الجميع في البلاد وهاجت وماجت الجماهير في الخارج.. وكنا قاب قوسين من انقلاب ما أو أدنى.. أو هكذا ظننتُ وقتها!!</p>
<p>تم قطع الإرسال التلفزيوني فوراً بعد ذلك، وتم طرد الصحفيين الأجانب على الفور، وانتشرت قوات الأمن في جميع الأماكن والدهاليز والزراريب والأزقة وحتى في مجاري المياه وقد تنكروا بأشكال مختلفة، حتى أنني سمعتُ بأن الكلاب التي كانت تسير في قريتنا في ساعة متأخرة من الليل ما هم إلا رجال مخابرات لكنهم متنكرون على هيئة كلب..!!</p>
<p>المهم.. بعد ذلك اليوم الذي كان يشبه يوم الحشر، ألقت الحكومة القبض على &#8220;هيئة العلماء والمفكرين&#8221; وجميع العلماء الذين أكدوا على صحة ذلك الاختراع وكل الموقعين على الأوراق الرسمية لتسجيل ذلك الاختراع بمن فيهم ذلك الموظف المسؤول عن تسجيل براءات الاختراع، وأجبرتهم على كتابة تقرير مفصل عن ذلك الاختراع مفاده بأن: &#8220;الجهاز لا يطلق صفيراً عندما يكون الشخص الذي أمامه معادياً للوطن، ويقوم بإطلاق الصفير عندما يكون الشخص الذي أمامه يعمل خالصاً للوطن&#8221;!!.. وقامت الحكومة بهدم بناء (وزارة المخترعين المحليين) ولم يعد هناك وزارة للمخترعين ولا حتى زريبة.. وزجت جميع المخترعين في البلاد خلف القضبان حتى مخترع التواليت الإفرنجي الأوتوماتيكي الذي تحدثت عنه في البداية لاشتباهه بالمساس بـ&#8221;الأمن الوطني&#8221; من خلال اختراعه السابق. رغم أنه كان يصرخ عندما تم جرّه أمام جيرانه بأنه لا يفهم العلاقة بين الـ؟؟؟؟؟ والأمن القومي!!!.. ما عدا مخترع الجهاز الكاتم للصوت لم يتم إلقاء القبض عليه بل تمت ترقيته وأصبح رئيساً للمخابرات العامة فيما بعد..</p>
<p>وهكذا وبين ليلة وضحاها انقلب كل شيء.. وقامت الحكومة بعد ذلك بإخراج المجرمين وقطاع الطرق واللصوص والحرامية من السجون وقامت بإلقاء القبض على المواطنين الذين ثبت بأن الجهاز لم &#8220;يصفّر&#8221; أمامهم.. وكان معظم أبناء الشعب متهماً فبمجرد أن يقوم أحد بكتابة تقرير ضد شخص ما حتى يتم تعريضه على الجهاز فإذا صفّر فسيطلق سراحه وإن لم يقم الجهاز بالتصفير يتم إلقاء القبض عليه فوراً وغالباً ما كان الجهاز يُصاب بالخرس.. وكان اللصوص أو يجب أن أقول (اللصوص السابقين) الخارجين من السجن بفضل ذلك الجهاز في كل مكان ويتكاثرون بكثرة في الشتاء وقد سمعت بأنهم تبوّأوا مناصب قيادية في الحكومة.</p>
<p>أما أبو فتحي القاووشجي فقد شوهد آخر مرة عبر شاشات التلفاز في مجلس الشعب في ذلك اليوم الذي أشبه ما كان بيوم الحشر..</p>
<p>وكان ذلك اليوم الذي جاء فيه أبو فتحي القاووشجي إلى مبنى &#8220;وزارة المخترعين المحليين&#8221; سيكون يوماً عادياً جداً بالنسبة لموظف تسجيل براءات الاختراع ولنا كمواطنين عاديين لولا أن ظهر أبو فتحي القاووشجي.. وها أنذا الآن أكتب تقريراً بزوجتي لأنني أرغب بالزواج من أخرى.</p>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://nj180degree.com/2010/02/27/invention/feed/</wfw:commentRss>
		<slash:comments>15</slash:comments>
		</item>
		<item>
		<title>القصة التي انتهت قبل أن تبدأ بعد!!</title>
		<link>http://nj180degree.com/2010/02/16/shortstory/</link>
		<comments>http://nj180degree.com/2010/02/16/shortstory/#comments</comments>
		<pubDate>Tue, 16 Feb 2010 12:50:44 +0000</pubDate>
		<dc:creator>medaad</dc:creator>
				<category><![CDATA[الرصيف (قصص جداً قصيرة)]]></category>
		<category><![CDATA[فلافل]]></category>
		<category><![CDATA[قصة]]></category>
		<category><![CDATA[قصة قصيرة]]></category>
		<category><![CDATA[قصة جماعية]]></category>
		<category><![CDATA[أدب]]></category>
		<category><![CDATA[ادب]]></category>
		<category><![CDATA[رواية]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://nj180degree.com/?p=3251</guid>
		<description><![CDATA[الحقيقة هي لم تنتهي.. لكنني أردت أن أنهيها.. أنا الكاتب وأنا أملك حرية الاختيار بين جعلها تنتهي أو لا تنتهي.. أستطيع أن أجعلها بنهاية سعيدة أو بنهاية حزينة.. أو أجعل نهايتها مفتوحة، حتى لو جعلت نهايتها مفتوحة سيكون هناك احتمال وارد أن يقوم أحد المعلقين بوضع نهاية مختلفة وسيأتي القارئ الذي يليه عندما يقرأ تعليقه [...]]]></description>
			<content:encoded><![CDATA[<p>الحقيقة هي لم تنتهي.. لكنني أردت أن أنهيها.. أنا الكاتب وأنا أملك حرية الاختيار بين جعلها تنتهي أو لا تنتهي.. أستطيع أن أجعلها بنهاية سعيدة أو بنهاية حزينة.. أو أجعل نهايتها مفتوحة، حتى لو جعلت نهايتها مفتوحة سيكون هناك احتمال وارد أن يقوم أحد المعلقين بوضع نهاية مختلفة وسيأتي القارئ الذي يليه عندما يقرأ تعليقه سيظن بأن النهاية هي هكذا.. أو يجب أن تكون هكذا.. إلا أنها ليست كذلك بتاتاً..<br />
<span id="more-3251"></span></p>
<p>لكن بعد التمحيص قليلاً في الموضوع قررتُ أن أخترع قصة؛ قصة جماعية أبدأها أنا ويتابعها أحدهم بعدي.. ربما تتحول إلى رواية جماعية، أجمعها وأطبعها على نفقة جمعية رعاية حقوق الحيوان، ثم سأبيعها على الأرصفة، وبالطبع لن يشتريها أحد حتى يتحول لون أوراقها إلى اللون الأصفر ثم يشتريها بائع الفلافل.. أو ربما أقايضه بقرص فلافل لقاء عشر صفحات.. أو ربما عشرين صفحة.. وسأقوم بعرض مغرٍ له إذ سأعطيه عشر صفحات إضافية مع كل مقايضة تتضمن ثلاثة أقراص..</p>
<p>حسناً لنعد إلى القصة.. بالطبع أنا متعبٌ جداً ولا أستطيع أن أكتب القصة أو أخترعها، لماذا؟!! لأنني هذا اليوم كنت أركض لثلاثة كيلومترات بدون توقف بسرعة الضوء أو أقل بقليل للمصداقية.. لماذا؟!! لأن أحد الكلاب كان يطاردني.. لعن الله روحه الكلب ابن الكلب.. لم أفعل له شيئاً.. إلا أنه بقي يطاردني حتى انقطعت روحي.. كل ما فعلته بأنني أختصرت الطريق إلى البيت فمررتُ عبر الغابة..</p>
<p>سأفترض بأن الشخصية الرئيسية في هذه القصة موظف، عازب، فقير، ينتهي راتبه في العاشر من كل شهر.. يعيش في حي فقير من الأحياء البعيدة عن العاصمة، والآن هو عائدٌ إلى بيته سيراً على الأقدام..</p>
<p>سأترك البقية لمَن يريد أن يكمل القصة بنفسه..</p>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://nj180degree.com/2010/02/16/shortstory/feed/</wfw:commentRss>
		<slash:comments>18</slash:comments>
		</item>
		<item>
		<title>الفضيلة..</title>
		<link>http://nj180degree.com/2010/01/29/fadilah/</link>
		<comments>http://nj180degree.com/2010/01/29/fadilah/#comments</comments>
		<pubDate>Fri, 29 Jan 2010 13:30:19 +0000</pubDate>
		<dc:creator>medaad</dc:creator>
				<category><![CDATA[الرصيف (قصص جداً قصيرة)]]></category>
		<category><![CDATA[قصة]]></category>
		<category><![CDATA[قصص قصيرة]]></category>
		<category><![CDATA[أدب ساخر]]></category>
		<category><![CDATA[الفضيلة]]></category>
		<category><![CDATA[الفضيلة والرذيلة]]></category>
		<category><![CDATA[القس]]></category>
		<category><![CDATA[الشيخ]]></category>
		<category><![CDATA[اجتماع]]></category>
		<category><![CDATA[سخرية]]></category>
		<category><![CDATA[ضحك كالبكاء]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://nj180degree.com/?p=3184</guid>
		<description><![CDATA[وقف الشيخ أبو فتحي(1) خلف حمام النساء يراقب المكان ويسترقُ النظر بين الفينة والأخرى عبر شرخٍ في الجدار.. وبينما هو كذلك إذ أقبل الأب بطرس(2)  فارتبك الشيخ وعدّل من وضعه..
الأب بطرس: فلتحلّ عليك المحبة والسلام شيخ أبو فتحي.. ما أخبارك؟!
الشيخ أبو فتحي: الحمد لله على كل حالٍ ومآل.. وأنت سعادة الأب ما هي أخبارك؟!!
الأب [...]]]></description>
			<content:encoded><![CDATA[<p>وقف الشيخ أبو فتحي(1) خلف حمام النساء يراقب المكان ويسترقُ النظر بين الفينة والأخرى عبر شرخٍ في الجدار.. وبينما هو كذلك إذ أقبل الأب بطرس(2)  فارتبك الشيخ وعدّل من وضعه..</p>
<p>الأب بطرس: فلتحلّ عليك المحبة والسلام شيخ أبو فتحي.. ما أخبارك؟!</p>
<p>الشيخ أبو فتحي: الحمد لله على كل حالٍ ومآل.. وأنت سعادة الأب ما هي أخبارك؟!!</p>
<p>الأب بطرس: بخير.. لك الشكر.. ماذا تفعل هنا بالمناسبة؟!!</p>
<p>الشيخ أبو فتحي: حسناً.. كنت أراقب المكان حتى لا يستغلّ المراهقون الفرصة ويتلصّصوا على النساء والفتيات.. جيل والعياذ بالله.. أنت تعلم!! مهمتنا كرجال دين لا تقلّ أهمية عن مهمة قادة هذه الأمة.. نحو الخير والصلاح ونشر الفضيلة والأخلاق والسعي الدائم لمحاربة الفساد والرذيلة في سبيل إعلاء كلمة الله ورفعة الوطن..</p>
<p>الأب بطرس – وهو يسترق النظر من الشرخ أيضاً &#8211; : نعم نعم.. رفعة الوطن.. والقرب من الرب والإصلاح.. ما رأيك إذاً لو ساعدتك في هذه المهمّة الاجتماعية الكبيرة.. بالنهاية هي مهمة ملقاة على عاتق جميع رجال الدين والإصلاح.. من مختلف الأديان والمذاهب..</p>
<p>الشيخ أبو فتحي: لا بأس إذاً.. تفضل إجلس أنت هناك.. وأنا هنا..</p>
<p><span id="more-3184"></span>الأب بطرس: لا يا شيخ.. لماذا لا تجلس أنت هناك وأنا أجلس هنا..</p>
<p>الشيخ أبو فتحي: يا عيوني أنا جئت أولاً.. ومن يأتي أولاً فله الأفضلية في المكوث قدر ما يشاء وأينما يشاء.</p>
<p>الأب بطرس: يا حبيبي يا شيخ أبو فتحي – فتح الله بوجهك أبواب جهنم (في قلبه) – أنا أظن بأنك تضطهدني لأننا أقلية في هذه البلاد، ومن المفترض بأننا نمر في &#8220;مرحلة حساسة&#8221; ومفصلية في تاريخ أمتنا، لذلك يجب أن تسمح لي بالقليل من الحرية لأمارس دوري كمواطن في هذا المجتمع مثلي مثلك يا صديقي.. وإلا سيقال بأن بلادنا تعاني من الطائفية، صدقني لا تريد أن يُقال عنك ذلك.. ثم ما هذا الكلام عن &#8220;المكوث قدر ما يشاء&#8221;.. أظنك ترمي إلى أشياء خطيرة؟!! (بخبث)</p>
<p>الشيخ أبو فتحي وقد أصابه الارتباك: حسناً.. – يا نطفة الحمار (في قلبه) – سأدعك تجلس هنا للحظات ثم تقوم فتجلس هناك..</p>
<p>الأب بطرس (Jesus Christ في قلبه): ياه.. للحظات فقط.. أين العدل وأين المحبة التي ننشادها على منابرنا، في مساجدنا وكنائسنا.. العدل العدل يا أبو فتحي.. أقصد يا شيخ أبو فتحي..</p>
<p>الشيخ أبو فتحي &#8211; تباً لوجهك &#8211; (في قلبه طبعاً): حسناً ستجلس أنت هنا قليلاً ثم تقوم فتجلس هناك وأجلس أنا هنا.. ثم نتبادل المكان بعد عدة دقائق..<br />
الأب بطرس: اتفقنا..<br />
ثم جلسا معاً يتحدثان عن الفضيلة..</p>
<p>&#8212;&#8212;&#8212;&#8212;&#8212;&#8212;&#8212;&#8212;&#8212;&#8212;&#8212;-<br />
(1) الشيخ أبو فتحي معروف بالأمانة والأخلاق وهو حلاّل مشاكل القوم في القرية، متزوج من أربعة ولديه تسعة عشر ولداً كان يعمل سابقاً في التهريب.<br />
(2) القس بطرس معروف بدماثة الأخلاق ومحبته للناس صغيرهم وكبيرهم.. وهو معارض يساري سابق لم يكن يجني كثيراً من عمله كـ&#8221;معارض&#8221; لذلك قرّر أن يغير مهنته، وهو لا يتعاطى المخدرات.. بتاتاً..</p>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://nj180degree.com/2010/01/29/fadilah/feed/</wfw:commentRss>
		<slash:comments>17</slash:comments>
		</item>
		<item>
		<title>لا..</title>
		<link>http://nj180degree.com/2010/01/23/no/</link>
		<comments>http://nj180degree.com/2010/01/23/no/#comments</comments>
		<pubDate>Sat, 23 Jan 2010 10:47:09 +0000</pubDate>
		<dc:creator>medaad</dc:creator>
				<category><![CDATA[الرصيف (قصص جداً قصيرة)]]></category>
		<category><![CDATA[قمع]]></category>
		<category><![CDATA[قصة]]></category>
		<category><![CDATA[قصص]]></category>
		<category><![CDATA[لا]]></category>
		<category><![CDATA[أدب ساخر]]></category>
		<category><![CDATA[سخرية]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://nj180degree.com/?p=3141</guid>
		<description><![CDATA[أغلق الرجل الذي لا اسم له باب شقته الصغيرة وأقفل الأبواب جميعها بالمفتاح كما يفعل عادةً، وضع المفتاح في جيب سرواله الداخلي، ثم استلقى على سريره وانتظر حلول الليل.. انسحب النهار شيئاً فشيئاً تاركاً أثراً مقلقاً على وجهه.
الساعة الواحدة بعد منتصف الليل، أحكم إغلاق النوافذ وأسدل الستائر المعتمة، جلس على فراشه يتنصّت جيداً لأية حركة [...]]]></description>
			<content:encoded><![CDATA[<p>أغلق الرجل الذي لا اسم له باب شقته الصغيرة وأقفل الأبواب جميعها بالمفتاح كما يفعل عادةً، وضع المفتاح في جيب سرواله الداخلي، ثم استلقى على سريره وانتظر حلول الليل.. انسحب النهار شيئاً فشيئاً تاركاً أثراً مقلقاً على وجهه.</p>
<p>الساعة الواحدة بعد منتصف الليل، أحكم إغلاق النوافذ وأسدل الستائر المعتمة، جلس على فراشه يتنصّت جيداً لأية حركة أو همسة أو حتى مواء قطة أو عواء كلب في الجوار.. لم يسمع شيئاً!!</p>
<p>تأكد بأن الصمت قد اغتصب كل شيء حوله.. أشعل شمعة صغيرة وانسكب تحت فراشه بهدوء.. تأكد بأن ضوء الشمعة لن يتسلل خارج الغطاء، دقات قلبه بدأت بالتسارع.. العرق يتصبّب من وجهه ويديه ترتجفان.. لكنه يرهف السمع لأية حركة أو أية موجة صوتية ممكن أن يلتقطها غشاء أذنه.. تنهد بارتياح بعد أن تأكد بأن لا صوت يُسمع.</p>
<p>أخرج ورقة صغيرة من جيب قميص نومه وقلم رصاص.. بلل رأس قلم الرصاص بشفتيه وكتب على الورقة الصغيرة بخط صغير كلمة واحدة: &#8220;لا&#8221;..<br />
تنفّس بعمق وابتسم ثم أعاد الورقة إلى جيب سرواله الداخلي هذه المرة.. أطفئ الشمعة وكتم سعاله الناتج عن دخانها..</p>
<p><span id="more-3141"></span>رويداً رويداً أخرج نصف رأسه من تحت الغطاء، إحتاج لوقت حتى تتكيف عينيه المسكونتين بالقلق مع الظلام المحيط حوله.. أخذ يراقب المكان بعينين جاحظتين، أذنيه هي الأخرى ترهف السمع لتلتقط أي شيء.. نفخ في ارتياح مرة أخرى.. ثم أغمض عينيه واستسلم للنوم.<br />
رنَ جرس المنبه في الساعة السادسة صباحاً معلناً عن نسخة جديدة لليوم السابق، استيقظ متحككاً أجزاءه.. اتجه إلى الحمام، رمق نفسه في المرآة، ابتسم فظهرت أسنانه الصفراء.. شتم مقدمة برنامج &#8220;صباح الخير&#8221; وإعلاناتها المتكررة حول معجون الأسنان الذي يستخدمه.. أخذ حماماً بارداً ثم تناول فطوره على عجالة.</p>
<p>لبس ثيابه واتجه نحو المصعد.. ضغط زر الطابق الأول، تفرّس وجهه في مرآة المصعد وهو ينزل الطوابق التسع.. ألقى التحية على البواب الذي لم يعره انتباهاً كعادته. وضع قدمه خارج البناء، تذكّر الورقة الصغيرة.. التهب وجهه فجأةً، وكأنه رأى شبحاً، عادَ مهرولاً إلى باب المصعد.. رمقه البواب هذه المرة بلؤمٍ وشك، أو هكذا اعتقد الرجل الذي لا اسم له، وَجد المصعد مشغولاً في الطابق السادس.. هَرول عبر الدرج نحو الأعلى..</p>
<p>صعد الدرجات كالمجنون.. قطع كل خمس درجات بقفزة واحدة نحو الأعلى.. تعثر ووقع لكنه استمر بالصعود جاهداً.. أصبح يتنفس بقوة ويصعد الدرج كمن يلاحقه الموت.. وصل إلى باب شقته، ظنّ بأنه استغرق سنوات حتى وصل إلى باب شقته، ارتبك وهو يبحث عن المفتاح المطلوب.. طوال عشر سنوات يفتح نفس هذا الباب بنفس المفتاح لكنه في هذه اللحظة بالذات لا يدرك أي مفتاح هو لهذا الباب اللعين.. جرّب المفاتيح كلها حتى فتحت إحداها في النهاية.</p>
<p>رمى بجثته إلى الداخل وهو يلهث، اتجه إلى غرفة نومه وأخذ سرواله وتأكد بأن الورقة في مكانها، عاد إلى باب شقته وأقفله بالمفتاح.. تنفس الصعداء.. أخذ الورقة الصغيرة وهرسها في يده، ثم رمى بها في سلة القمامة.. نظر إلى سلة القمامة ثم عاد فأخذ الورقة ووضعها في الخزانة ضمن جيب قميص قديم، أغلق باب الخزانة.. لكنه سرعان ما فتحها وأخرج الورقة.</p>
<p>أخذ يلفّ في البيت بدوائر غير منتهية ويفكر بارتباك أين سيخبأ بالورقة.. وضعها في عشرين ثقباً في الشقة لكنه سرعان ما كان يستعيدها.. وضعها في المطبخ، ووضعها في بيت الخلاء.. وضعها تحت السرير ووضعها أسفل حذاءه.. لكنه سرعان ما كان يسترجعها..<br />
أخيراً وضع الورقة في فمه ثم لاكها وابتلعها.. وذهب إلى العمل..</p>
<p>أصيب بالإسهال لعدّة أيام بعد ذلك.. أصبح يملك إقامة دائمة في بيت الخلاء.. علم بعد ذلك بأن كلمة &#8220;لا&#8221; تسبب الإسهال وبالتالي ستكثر زيارته لبيت الخلاء.. عادةً لا تصاب الشخصيات الرئيسية في القصص بالإسهال لكن مَن قال بأن الرجل الذي لا اسم له هو الشخصية الرئيسية؟!!. على كل حال لنكمل القصة: ).</p>
<p>جلس في صباح اليوم الرابع في الحمام، أمسك بالجريدة يقرأ أخبار العالم وهو لا يعرف إن كانت رائحة القذارة تأتي من الصحيفة المحلية أم من تحته!!.. وضع نظارته السميكة ليقرأ خبراً في الصفحة الأخيرة وهي صفحة الطرائف: &#8220;مقتل مسؤول على مرأى ومسمع من الناس في دولة مجاورة..، شاهد عيان: كان الرجل النحيل يتبادل الحديث مع الرجل الأصلع على ناصية الشارع ثم فجأة أخرج الرجل النحيل مسدساً وأطلق النار على رأس الأصلع فأرداه قتيلاً على الفور.. &#8220;وعندما سُئل الرجل النحيل عن دافعه لقتل المسؤول قال: لقد سخر من حلمي!!!&#8221;..</p>
<p>بعد أن أنهى قراءة الخبر انتهى به الأمر على حافة البكاء لكنه بدلاً من ذلك بدأ يضحك، وارتفع صوته بالضحك.. وأخذ يضحك ويضحك.. واستمر في الضحك حتى المساء.. ضحك كثيراً.. وكثيراً.. حتى ضج الجيران منه.. لكنه استمر في الضحك ولم يبالِ بشيء..<br />
وقبيل منتصف الليل بقليل توقف صوت الرجل الذي لا اسم له ومات..</p>
<p>ولم يتم العثور على الورقة الصغيرة التي كتب عليها الرجل الذي لا اسم له كلمة &#8220;لا&#8221; بعد ذلك أبداً..!!<br />
انتهت..</p>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://nj180degree.com/2010/01/23/no/feed/</wfw:commentRss>
		<slash:comments>15</slash:comments>
		</item>
		<item>
		<title>مذكّرات الأيام الستِّ.. الطريق إلى النبك (القسم الأخير)</title>
		<link>http://nj180degree.com/2009/03/30/conscription5/</link>
		<comments>http://nj180degree.com/2009/03/30/conscription5/#comments</comments>
		<pubDate>Mon, 30 Mar 2009 08:10:14 +0000</pubDate>
		<dc:creator>medaad</dc:creator>
				<category><![CDATA[الرصيف (قصص جداً قصيرة)]]></category>
		<category><![CDATA[مداديات]]></category>
		<category><![CDATA[النبك]]></category>
		<category><![CDATA[الجيش]]></category>
		<category><![CDATA[السجن العسكري]]></category>
		<category><![CDATA[تجنيد إجباري]]></category>
		<category><![CDATA[جيش]]></category>
		<category><![CDATA[حمص]]></category>
		<category><![CDATA[خدمة إلزامية]]></category>
		<category><![CDATA[سوريا]]></category>
		<category><![CDATA[سجن]]></category>
		<category><![CDATA[عسكرية]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://medaad.wordpress.com/?p=1027</guid>
		<description><![CDATA[اليوم السادِس
(1)
اليوم هوَ اليوم السّادس لي، أخذونا في الصَّباح إلى شعبة تجنيد المنطقة الجنوبية، وهناك تم تسجيل أسمائنا وتصويرنا (لا أعرف لماذا).. ثم جاء شخص وسألنا بشكل جماعي إن كان أي شخص يعاني من أي شيء.. كان هذا هو الفحص الطبي.. طبعاً لو كان معَ أيٍّ منا &#8220;الزهايمر&#8221; ذاته لم يكن ليصرِّح به، لأنهُ سوف [...]]]></description>
			<content:encoded><![CDATA[<p style="text-align:center;"><strong>اليوم السادِس</strong></p>
<p style="text-align:center;"><strong>(1)</strong></p>
<p>اليوم هوَ اليوم السّادس لي، أخذونا في الصَّباح إلى شعبة تجنيد المنطقة الجنوبية، وهناك تم تسجيل أسمائنا وتصويرنا (لا أعرف لماذا).. ثم جاء شخص وسألنا بشكل جماعي إن كان أي شخص يعاني من أي شيء.. كان هذا هو الفحص الطبي.. طبعاً لو كان معَ أيٍّ منا &#8220;الزهايمر&#8221; ذاته لم يكن ليصرِّح به، لأنهُ سوف يعني مزيداً من أيام الذلّ والقهر في سجن القابون الذي ربما.. لا أدري.. أقول ربما.. قد يكون أبشع بقعة على وجهِ الأرض.</p>
<p>أخذوني معَ مهندس آخر إلى مكان خاص لنسجل استمارة خاصة بنا قالوا أنها تخص المخابرات، كان هناك نقيب (أنثى).. بدَت لي بأنها (الإنسان) الوحيد بين كل من مروا عليَّ في هذه التجربة البغيضة التي عشتها على مدار الأيام السابقة، طلبَت من الرقيب الذي قادنا بأن يفكَّ قيدنا وأمرته أن ينسَ القيد وأننا سنعود إلى القابون بدون قيود &#8211; وهذا ما حصَل لاحقاً-، أعطَت كل واحد منا ورقة وقلم وعاملتنا باحترامٍ كنتُ قد يئسْتُ منه تماماً. لَم أعد أتذكر اسمها لكن للحق.. وجودها أعادَ لي شيئاً مِن الثقةِ بأنَّ (الآخَر) الجيد سيظلُّ موجوداً في تكتلاتِ الشرِّ والبغضِ والقبح، وأنَّ وجودها لا بدَّ سيعني وجودَ غيرها وإن كانَ ثمة شيءٍ كثير فاسِد.</p>
<p>أنهينا أوراقنا كلها وأعادونا إلى السجن؛ كانَ معنا طبيب آخر في الرابعة والثلاثين من عمره تقريباً، كانت ثمة أخطاء بسيطة حصلَت مِن قبل فروع الشرطة العسكرية التي مرّ بها قد تسبّبت في إطالة مدة إقامتهِ في السِّجن ثلاثة أو أربعة أيام إضافية، وفي مكانٍ بغيض كهذا.. اليوم يساوي ألفاً، ولا يسعُكَ إلا تنشق لحظاتِ المستقبل التي ستعني خروجَك مِن هنا، وتتطلَّع إليْها (كجنةٍ موعودة)&#8230; لم نكن نتحدث عن أيام العسكرية المقبلة بقدر ما كنا نتطلّع إلى لحظة الخروج من هنا.. وأن تفَُكَّ القيود التي كبلت أرواحنا قبل معاصِمنا.</p>
<p style="text-align:center;"><strong>(2)</strong></p>
<p>أخذونا إلى غرفة خاصة جمعت مهندسين وطبيب وثلاثة رجال تجاوزوا الستين، عرفنا أنهم من منطقة في حمص مشهورة بحيازة وتهريب السلاح، تفاجأت بالبداية لأن أشكالهم لم تكن توحي بالإجرام، لكن فيما بعد عندما أصغيتُ إلى حديثهم ظهرت لي حقيقة زيّفتها أعمارهم وأشكالهم التي بدت ضعيفة، لم أكترث لهم كثيراً. كانَ معنا شاب خريج كلية الاقتصاد لن أنساه أبداً، عندما كان على وشك إنهاء خدمته العسكرية اتُّهمَ بالإهمال بسبب فقدان سلاح من مستودعٍ كان يُشرف عليه، قضى فيها ثلاثة أشهر ونصف متنقلاً من مكان إلى آخر من سجون وأقبية وغرف تحقيق ومحاكم.</p>
<p><span id="more-1027"></span>عندما كان النهار يقارب انتصافه أدخلوا إلينا شاباً (معتوهاً)، كانت تفوحُ مِنه روائح نتنة، ولَم يكن قادرا على الحديث بشيء مفهوم.، كانت رائحته مصيبة مما اضطَّرنا إلى طلب &#8220;المساعِد&#8221; لإخراجه، أخذوه ووضعوه في زنزانة انفرادية.</p>
<p>كانَ يوماً سريعاً.. ربما لسرعةِ الأحداث فيه، وربما لأنهُ كان يسبق يومَ الحريةِ المنتظر/المزعوم.. وربما لأنَّ اللهَ عادَ ليقتربَ فيهِ أكثَر. ورغمَ أن المهجع خاص (هكذا سموه)، إلا أنه لم يقل قذارة عن سابقيه، ولم يلبثوا أن ملؤوه عن آخره بالموقوفين، حتى أنني اضطررت للسّهر حتى ساعاتِ الصباح الأولى لأتمكن من النوم مكان أحدهِم..</p>
<p>كانت تجربتي في الأماكِن التي تنقلتُ فيها تحرِّضُ داخلي الرغبة في مساعدة الآخرين الموقوفين ومشاركتهم الحالة العصيبة التي يمرّون فيها، كنتُ أعلم أنني أستطيعُ تجاوز الأمر بسرعة، وأنني عندما أحصل على حريتي سأعود قوياً ومتمكناً.. لكنني كنتُ أشكُّ بأنَّني قادرٌ على نسيانِ ماحدثَ لي في أيٍّ مِن الأماكِن التي زرتها، لَم يكُن مِن السَّهلِ تقدير الكم الهائل من الكبت الذي انتابني.. والغضب الذي خنقته في أحشائي، وحالة الانهيار التي نجحتُ في إخفائِها عن الجميع من شرطة وسجانين وأقارب وزائرين.</p>
<p style="text-align:center;">
<p style="text-align:center;"><strong>نهاية الستِّ العجاف..</strong></p>
<p style="text-align:center;"><strong>(1)</strong></p>
<p><strong></strong><br />
المكان: على طريق حمص، على بعد حوالي 70 كم عن دمشق.<br />
صباحاً تمَّ استدعاء المتخلفين معَ مجموعة من المحكومين والموقوفين ممن سيتم نقلهم إلى حمص، استلمنا أماناتنا وتم ربطنا مجدداً بسلسلة حديد، وكالخراف تمَّ وضعنا في قفص (متر في 75 سم).. 13 شاب تمَّ وضعهم في هذا المكان، وعليكم أن تتصوروا ذلك رغماً عنكم، فقد نجحنا في أخذ وضعية معَ أمتعتنا وأغراضنا.</p>
<p>توقفنا عند فرع الشرطة العسكرية في النبك، وهوَ عبارة عن (خرابة) قبو بناء أرضي غير مكتمل، قادونا إلى القبو ووضعونا في (السجن الأخير)..، بعدَ حوالي النصف ساعة استدعاني المساعد مع المهندس الآخر الذي رافقني، وطلَب منا الجلوس عنده، سمحَ لنا بإجراء اتصال هاتفي من هاتفه الجوال، أعطيته 200 ليرة سورية لدقيقة واحد فقط، وكذلك فعل رفيقي، بعد لحظات كانت سيارة (فان) جاهزة &#8220;لسوقنا&#8221; إلى المركز.</p>
<p>ولأول مرة (بدون) قيد منذ ستة أيام، رغم برودة الطقس وجفافهِ وقلة الهواء، إلاّ أنني تمكنتُ مِن إيجادِ شيءٍ ما أتنفسه، حريتي التي اغتصبها وطني رغمَ أنفي، ولوطني روحي الفداء، لكن، لم يئن الأوان بعد&#8230;، لَم يئن..</p>
<p style="text-align:center;"><strong>(2) </strong></p>
<p>ما يشغلُ بالي الآن هوَ الخلاصُ الخلاص مِن هذه الفضيحة البشرية، نحنُ لسنا بلاداً تُربّى فيها البشَر، وإنما تسوّّى قطعان الأغنام في موائِدِ الأقبيةِ وأفرعِ الأمن، يتفشّى فيها الظلم والجهلُ والسُّقوط، لا أحدَ يَسلمُ مِن حجم البشاعةِ الذي يملأ نفوسَ المسؤولين وخريجي معاهِدِ كسر النفسِ وإذلالِها..<br />
لا احترامَ لأحَد..، لا احترامَ إلا للعهرِ والعُملة..، لا احترامَ إلا للنياشينِ المكسورةِ على رؤوسِ منجديها، لا احترامَ إلا للجلادين واللصوص..، لا احترام.</p>
<p>السِّجنُ بغيضٌ يا رفاق.. وشعورُ الهزيمة موجع، وأن تكون مسؤولاً عَن أخطاءٍ بشعة وممارساتٍ قبيحة وليسَ باستطاعتِكَ فعل شيء يبدو الأمر قاسياً جداً، قالوا أنني موقوف وأن جرمي هوَ التخلف عن الخدمة الإلزامية.. وفي المقابل لَم أحظ بأيّة فرصة للكلام.. ولا الدفاع.. لَم أحظ حتى بفرصة اتصال هاتفي أو زيارة في سجن القابون، لَم أحظَ بفرصةِ تنفسِ هواءٍ نظيفٍ وسطَ كل أنفاس البول والغائط، لَم أحظَ بشيء، كان قاسياً هذا الشعور بالهزيمة، كانَ قاسياً أن تجدَ شاباً وضيعاً حقيراً يتلذذُ بإذلالِك، معتبراً أنهُ صاحب حقٍّ في هذا..</p>
<p>في كل مكان زرته كانت ثمة قصص كثيرة، لم أسرد منها شيئا، ولِمن رافقني مِن (طلاب ضباط) في مركز السوق في النبك قصص مشابهة لما حدَث معي وكلنا في سؤال مبهَم: &#8220;لِمَ حصلَ هذا؟!!&#8221;.</p>
<p style="text-align:center;"><strong>(3)</strong></p>
<p>سيدي رئيس الجمهورية..<br />
ما أسردهُ هنا من كلمات موجهة إليك وللقائمين حول طاولتك المستديرة.. يمكن أن تسميه حالة مِن الهيام الزائد بالوطَن والحرص عليه..<br />
سيدي، أنا عاشقٌ لهذا الوطن حدَّ النخاع، وحريصٌ عليهِ حرصَ مواطنٍ شريفٍ خالٍ مِن أيِّ مصلحةٍ إيديولوجية أو ليبرالية، لستُ أنتمي لفكر أحد، ولستُ منصاعاً لتوجهِ أحد، إنما فقط عاشقٌ لوطني وهائم به بحواريه وسواقيه وأنهاره وبحاره، بماضيه وحاضره، بجماله وقبحه، بهنائهِ وكدره.<br />
لِمَ وجبتَ أن تكونُ خدمة هذا الوَطن (حالة مقيتة) يهربُ منها المثقفين قبلَ العاديين؟. هذا هوَ السؤال الذي لا بد من الإجابة عليه.</p>
<p>سيدي، إنني ورغمَ ما حدَثَ معي من أمورٍ سيئة تسببت بالأذى لروحي ونفسيتي، وأحدثت خدوشاً يصعبُ محيها، وفراغاتٍ يصعبُ ملؤها، إلى أنني قادرٌ على أن أكونَ لهذا الوطَن ـ ولو بالقليل الذي أستطيعه &#8211; لا بالكلبشاتِ والقيودِ والإذلال والتحقير والإهانة، إنما برفعِ الرأس واحترامِ الغير والحرصِ على كرامةِ إنسانِ بلدي، ابن وطني وأخي في الإنسانية.</p>
<p>هؤلاء (المرضى في عقولهم وأرواحهم) ممن يتسببون بكل هذا الأذى للمواطنِ العاديّ، لا بدَّ من محاسبتهم، ولا بدَّ مِن الوقوف بتمعّن أمامَ ممارساتِهم، وإن كانَ ثمَّة قانون يحرِّض على إذلالِ المواطِن وإهانتهِ والتنقيص من كرامته فهوَ قانون ساقط ومكانهُ الزبالة مثله مثل كلّ الواقفين خلفه.</p>
<p>سيدي الرئيس، أعرف أنه ليسَ لِمثلي أن يملي بنصائِح، لكنَّ تجربتي المريرةَ جعَلتني في صراعٍ داخليَّ معَ شيء اسمه (كرامة , حق , مواطنية) لا أعرف بالضبط؟!! أريدُ أن أطمئنَّ أنني سأنجبُ يوماً أولاداً يعيشونَ في كنفِ دولة رحيمة يسودها قانون عادِل يحترمُ المواطِن ويدافع عن حقه، لا أن يذلّه ويهينه ويجعله أسوأ مِن خرقة بالية.<br />
ليست هذه الأجواء التي نعيشها مثالية لخلقِ وطنٍ مثالي، وليسَت الظروف ملائِمةً للخلق والإبداع الذي تصبو إليه – كما تقول في خطبك -، فمجرّد الإحساس بعدم الأمان، وإمكانية التعرّض للمهانة والذلّ في أي لحظة، سيجعل عملك متوتراً وزائفاً، وقد يضطرّك إلى الانجرار وراء الخطأ حتى لا تقعَ في مَصيدةِ العابثين.. ممن يعبثون بأمنِ الوطن.</p>
<p>لا..، لا خوفَ على أمننا من الإرهاب، صدقني سيدي الرئيس، الخوف على الأمن مِن رجال الأمنِ أنفسهم، وأنا ضحية واحدة من مئات أو ألوف، زعزعوا ثقتي، وأهانوني، وعرّوني من كرامتي قبل ملابسي، فكيفَ لمثلهِم أن يحمل صفة (رجل أمن)؟!.، لا أعرف إن كنتُ سأشفى قريباً ممَّ أنا فيه، لكنني مرهقٌ بدرجات، ومتعبٌ ومثقلٌ بوطء أفكار عدة..</p>
<p>عمَّ قليل أنا ذاهبٌ للالتحاق بالخدمة الإلزامية في الجيش العربي السوري، و(مذكرات الأيام السِّت) ما زالت تثقلُ كاهلي، وما زلتُ مختنقاً جائعاً إلى بكاءٍ خنقتهُ حتى يشفي روحي المريضة، سأبحثُ في القطعة العسكرية التي سألتحقُ بها عن شيءٍ ما يصوِّبُ هذا الانكسار الذي تعرّضت له..<br />
سأحاولُ أن.. أخدمَ الوطَن..</p>
<p>&#8212;&#8212;&#8212;&#8212;&#8212;&#8212;&#8212;&#8212;&#8212;&#8212;</p>
<p><a class="a2a_dd" href="http://www.addtoany.com/share_save?linkname=%D9%85%D8%B0%D9%83%D8%B1%D8%A7%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%8A%D8%A7%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D8%AA%20(%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%B3%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%AE%D9%8A%D8%B1)&amp;linkurl=http%3A%2F%2Fmedaad.wordpress.com%2F2009%2F03%2F30%2Fconscription5%2F"><img src="http://static.addtoany.com/buttons/share_save_171_16.png" width="171" height="16" border="0"/></a>a2a_linkname=&#8221;مذكرات الأيام الست (القسم الأخير)&#8221;;a2a_linkurl=&#8221;http://medaad.wordpress.com/2009/03/30/conscription5/&#8221;;</p>
<p>&#8212;&#8212;&#8212;&#8212;&#8212;&#8212;&#8212;&#8212;&#8212;&#8212;<br />
<strong><br />
</strong><strong>مواضيع ذات صلة:</strong><br />
<a href="http://medaad.wordpress.com/2009/03/13/conscription/">- مذكرات الأيام السِّت.. الطريق إلى النبك (القسم الأول)</a><br />
<a href="http://medaad.wordpress.com/2009/03/16/conscription2/">- مذكرات الأيام السِّت.. الطريق إلى النبك (القسم الثاني)</a><br />
<a href="http://medaad.wordpress.com/2009/03/21/conscription3/">- مذكرات الأيام السِّت.. الطريق إلى النبك (القسم الثالث)</a><br />
<a href="http://medaad.wordpress.com/2009/03/25/conscription4/">- مذكرات الأيام السِّت.. الطريق إلى النبك (القسم الرابع)</a></p>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://nj180degree.com/2009/03/30/conscription5/feed/</wfw:commentRss>
		<slash:comments>7</slash:comments>
		</item>
		<item>
		<title>مذكرات الأيام السِّت.. الطريق إلى النبك (4)</title>
		<link>http://nj180degree.com/2009/03/25/conscription4/</link>
		<comments>http://nj180degree.com/2009/03/25/conscription4/#comments</comments>
		<pubDate>Wed, 25 Mar 2009 08:49:29 +0000</pubDate>
		<dc:creator>medaad</dc:creator>
				<category><![CDATA[الرصيف (قصص جداً قصيرة)]]></category>
		<category><![CDATA[مداديات]]></category>
		<category><![CDATA[الجيش]]></category>
		<category><![CDATA[اضطهاد]]></category>
		<category><![CDATA[تجنيد إجباري]]></category>
		<category><![CDATA[خدمة إلزامية]]></category>
		<category><![CDATA[ذل]]></category>
		<category><![CDATA[سجن]]></category>
		<category><![CDATA[عسكرية]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://medaad.wordpress.com/?p=1019</guid>
		<description><![CDATA[اليوم الرابع
(1)
كان يوم خميس، وكانَ يفترَض أن يتم أخذي (موجوداً) إلى الشرطة العسكرية هناك ليتم أخذي بعدها إلى شعبة التجنيد ثمَّ إلى مفرزة النبك لألتحق بالخدمة، هذه الإجراءات والتي من الممكن إنهاءها في غضون ساعة من الزمن، أخذت معي ثلاثة أيام بلياليها، وكثير من القهر والجوع والمرَض والاختناق والذل و و..الخ..
أخرجوني من الزنزانة، وقاموا بتسليمي [...]]]></description>
			<content:encoded><![CDATA[<p style="text-align:center;"><strong>اليوم الرابع<br />
(1)</strong></p>
<p>كان يوم خميس، وكانَ يفترَض أن يتم أخذي (موجوداً) إلى الشرطة العسكرية هناك ليتم أخذي بعدها إلى شعبة التجنيد ثمَّ إلى مفرزة النبك لألتحق بالخدمة، هذه الإجراءات والتي من الممكن إنهاءها في غضون ساعة من الزمن، أخذت معي ثلاثة أيام بلياليها، وكثير من القهر والجوع والمرَض والاختناق والذل و و..الخ..</p>
<p>أخرجوني من الزنزانة، وقاموا بتسليمي أماناتي، خرجتُ إلى ممر ضيق تجمّع فيه ما يزيد على عشرين شخصاً، معظمهم مجرمين، ومنهم كنا حوالي السبعة متهمين بالتخلف عن الخدمة، وموقوفين دون تحقيق ودونَ أدنى حق بالدفاع أو الكلام، حتى حق الزيارة.. سُلِبناهُ لاحقاً.<br />
تمَّ ربطنا جميعاً في سلسلة واحدة، كان المنظرُ أقوى وأشدّ من سابقيه، رجوتُ أيّ تصرفٍ واعٍ من الموجودين بالقرب بأن يرحمني ولا يوثقني بهذه الطريقة البهائمية.. (في سلسلة طويلة كالأغنام؟؟؟) تباً..</p>
<p>هنا.. أشياء أخرى بدأت تنهار داخلي، وحجم الصبر الهائل الذي حملتهُ بدأ ينفد، وبدوْتُ متعباً بدرجات.. وبدأت ملامحي بالتقلُّص. وضعُوني مع الآخرين وربطوني في السلسلة، وكالخراف ضمن قطيع.. تمَّ اقتيادنا خارجاً.
</p>
<p style="text-align:center;"><strong>(2)</strong></p>
<p>ثمّة سيارة أخرى كانت تنتظرنا لتقلّنا إلى دمشق.. ودمشق هذه المرّة ليست مدينة اللهِ الخالدة، بل مدينة القاذوراتِ والأوساخ وروائح المهاجع والمجرمين والكلاب، مدينة الأوباش قتيمي الهيئة، مدينة القلق والكبتِ والهوَس، مدينةُ الخوفِ والصَّمت.</p>
<p>دِمشق مدينةُ الأسر، لا شيءَ فيها إلاّ ذلِك المكان المقرف (القابون) حيث السجن العسكريّ، حيثُ نهاياتِ الضمير البشري، حيثُ لا أمن لأحدٍ مِن أحَد، وحيْثُ لا يأمَنُ مواطِنٌ آمِنٌ خطأَ موظفٍ حكوميّ.. أو مزاجَ ضابطٍ عسكريّ.. بدَت ليَ الأشياء بشعةً وكريهة، وبدا ليَ اللهُ (عفوه) بعيداً وساخطاً.. وظهَرَت ليَ السَّماءُ نافرةً وسوداء، ولَم أكُن قادراً إلا على الموتِ..</p>
<p><span id="more-1019"></span>بهدوء، نزلتُ معَ رفاقي في السلسلة من مجرمين ومخالفين للقانون وعتاة وقتلة، ودخلنا ذلِكَ المكان، سلَّمنا أماناتِنا، وطلبوا منا أن نديرَ وجوهنا إلى الحائط، كنتُ مضطراً إلى رفع رأسي عندَ كل موقف إذلال وخنوع، لَم يكُن باستطاعتي أن أتحمَّل فِكرةَ أن أطأطئ رأسي في مثل هكذا موقف بالذات، وإن كانَ من يذلني هوَ ابن بلدي بالذات!!<br />
تجردنا من ملابسنا مرة أخرى، وتمَّ تفتيشي معَ الآخرين بدقةٍ مُدهِشة، وساقونا إلى غرفة قالوا عنها (موجوداً).. حُشِرتُ هناكَ معَ ما يزيد على الأربعينَ شخصاً، وسط روائحِ القاذورات والأوساخ والفضلات، في مكانٍ تعرّشت الرطوبة فيه ونمت فيه العفونة بشكل مضطرد، مليء بالمجرمين، قتلة، لصوص، مهربين، مغتصبين، و فارّين من الخدمة.. رغمَ أن المكان أكثر قتامة ووحشة من سابقيه، ورغمَ أن حجم القذارة هنا مضاعف ومخيف، ويصعبُ عليَّ تصوّر قدرتي على النوم هنا (وهذا ما حصل لاحقاً)..، إلاّ أنني أنستُ للمرة الأولى بوجود مهندس آخر تم سَوقهُ إلى المكان يكبرني بحوالي 4 سنوات، ثم انضمَّ إلينا لاحقاً طبيب، وكانَ ثمةُ مَن يحملون شهادة معهد، وآخرون يحملون البكالوريا، حتى بلغَ عدد المتخلفين في هذه الحجرة حوالي العشرون.</p>
<p>وعندما جاءَ الليل، كانَ كل شيء قاتما بدأ الصوتُ يهدأ وبدأ الجميع ينامون تدريجيا، قمتُ بالتخلي عن مكان نومي احتراماً للطبيب الذي يكبرني بحوالي 7 سنوات، ولَم أجد لي مكاناً في المنتصف، وسط الأقدام، ومرّة أخرى، فشلت في النوم.</p>
<p style="text-align:center;"><strong>(3)</strong></p>
<p>بدأ صداعٌ مزعجٌ في رأسي، قمتُ وسلّيت نفسي بالدندنة قليلاً (يما مويل الهوا يما مويليا.. ضرب الخناجر ولا حكم النذل فيا)&#8230;، (ياظلام السجن خيم، نحن لا نخشى الظلاما، ليسَ بعدَ الليلِ إلا فجر مجدٍ يتسامى)..، ثم عدتُ إلى الأولى.. ( يما مويل الهوا.. يما مويليا، ضرب الخناجر ولا حكم النذل فيا)&#8230;، ( يا رنين القيدِ زدني&#8230; نغمةً تُشجي فؤادي..، إنَّ في صوتَكَ معنى للأسى والاضطهاد)&#8230; ومرة أخرى عدتُ إلى الأولى ( يما مويل الهوا..، يما مويليا، ضرب الخناجر ولا حكم النذل فيا)&#8230; إلى أن تشنج جسدي كله وبدأت أضطرب، ارتفعَ صوتي قليلاً، خشيتُ مِن البكاء فصمتُ.</p>
<p>لوحدي، وأوجاعُ رأسي القاتِمة، تمددتُ على الأرض، ممسكاً بأيِّ شيءٍ يساعدني على تجاوزِ آلامِ الرأس.. فُتحَ باب السجن، خشيتُ أن يكون ثمة عسكري سمعني وأتى ليعاقبني، لكن هذا لَم يحدث، تم إدخَالَ شابين إلى المكان، توقفا قليلاً وأمعنا النظرَ بدهشة إلى هذه الأكوام المتراكمة فوق بعضِها، ثم حشر كل منهما نفسهُ في أي شيءٍ،.. أحدهما غطّ من فوره في سباتٍ عميق، والآخر أخذ يبكي بحرقةٍ جعَلَتني أرثي لحالي قبلَ حالِه، قمتُ مِن مكاني واقتربتُ مِنه، حاولتُ أن أواسيه، فشكا لي من رائحةِ المكان القذرة، قلت له لا بأس ستعتادها عمَّا قليل، حاول أن تنم الآن، سألني عَن عملي، أخبرتهُ أنني مهندس، قالَ لي كيف تواسي نفسك، صمتُّ قليلاً..، وقلتُ له أن كل ما علينا فعلهُ الآن أن ننتظرَ الأفضل، نم الآن ونتحدث غداً.</p>
<p>تركتهُ بسلام، حاولتُ النوم مجدداً إلاّ أن آلام الرأس كانت أقوى من كل شيء، بقيتُ على حالي حتى الفجر تقريباً.. حوالي الرابعة فجراً فتحوا الباب وأدخلوا الفطور، القليل منه للكثير من الأفواه الجائعة، كنتُ مرهقاً بشدّة اقتربتُ من الطبيب وشكيتُ لهُ حالي وسألته إن كان يستطيع إيجادَ أي حلٍّ لي، طلَبَ مني أن أستدير ثمَّ قامَ بعمل (مساج لرأسي) ارتحتُ كثيراً.. ونمتُ للمرة الأولى منذ وصولي إلى هذه المزبلة.. ساعاتان تقريباً قبل طلوعِ صباحٍ لا يُعرف له شكل في مكانٍ مغلقٍ عن كل شيء إلا عن روائح القاذوراتِ والفضلات.</p>
<p style="text-align:center;"><strong>* * *<br />
</strong><br />
<strong>اليوم الخامس</strong></p>
<p>يوم جمعة، يوم آخرَ داخل هذا المكان، مسجونين مخنوقين، لأنه يوم عطلة كان يفترض أن نذهب إلى شعبة التجنيد ليتم تصويرنا، وشعبة التجنيد مغلقة لأنه يوم جمعة، كانَ يوماً بارداً وثقيلاً يسيرُ ببطئ على جدران هذا السجن الشاحب.</p>
<p>كان ثمة شخص يدّعي أنه قاتل محكوم بالسجن لفترة 9 سنوات، انتهت مدة محكوميته ويستعد لاستعادة حريته، بدا لي أقل بكثير من مجرم، لم أحاول فهم تفاصيل جرمه، ولكنه بدا قادراً على مواساتي، مِن خلالِ هدوئِهِ وتعاطفه، وقد أثَّرَ بي كثيراً مظهرُ الشاب الذي دخلَ السجن أمس وبدأ يبكي، فهمت لاحقاً أنه موظف في إحدى شركات الاتصال يبلغ من العمر حوالي 33 سنة، وهوَ متخلّف عن الخدمة الإلزامية قادوه قبل ليلة إلى هذا المكان، بدا منهاراً وعاجزاً تماماً، لَم أستطِعْ منعَ نفسِي مِن الوقوفِ بجانبهِ مرة أخرى.</p>
<p>كانت تجربةً مريرة أن أتناسى حجم الاختناق الذي أعيشه لأواسي ذلكَ الآخر الغارق في سوداوية معتمة، تذكرتُ حالة الانهيار الأولى التي أصابتني في اليوم الأول، وماهية الشعور البغيض عندما تم وضع القيد في يدي، والطريقة التي تم اقتيادي بها من مكان إلى آخر وصولاً إلى هنا، تذكرتُ حالي وصرتُ أرثي لِنفسي.<br />
قضيتُ هذا اليوم متنقلاً بيْن الشبان الصغار المتواجدين معنا، كل منهم يحاورني ويقصُّ عليَّ قصته، بدوا لي جميعاً ضحية واقعٍ هش نعيشه عموماً في هذا المجتمع البغيض والوقح، تفاجأتُ حين أخرجَ أحدهم قصيدة من جيبه وطلَب مني أن أقرأها.. كانَ شاباً صغيراً في حوالي العشرين، وهو لم يتجاوز في دراسته الصف السادس، ولكن كلماته رقيقة وعذبة، جعَلَتني أشعرُ بفرحة غامرة لأجله، رغمَ أني نسيت أن أسأله عن سبب تواجده هنا في هذا المكان، إلاّ أنني فرحت ولو للحظات قليلة بالحديث معه.</p>
<p>تفاجأتُ أيضاً حينَ تحدثتُ معَ أحدِ الموقوفين الصِّغار في السِّن، قال لي أنه ذهب من فترة إلى شعبة التجنيد وأخبروه أن يراجعهم مع بداية الشهر الرابع، ولَم يكن ينوي التخلف أبداً عن بداية الشهر الرابع ومثله كثيرين.. إلاّ أنهم فوجئوا بما حدث..</p>
<p>لم أفهم والله.. ما الفائدة من كل هذا..؟!! ما الفائدة؟!!! وإلى أين سنصل..<br />
روحي مشبعة بالسواد.. أغلقت الأبواب كلها أمامي، لَم أكن محقاً حين آمنتُ يوماً بفرجةِ النور تلك، شاءتِ الأقدار أن أعيشَ هذه التجربة، ربما حتى أحرّر نفسي مِن وهم ما هوَ أجمل.. لتنجلي أمامَ عيناي حقائِق تبدو سوداء قاتِمة.</p>
<p>مرَّ الوقت ببطءٍ شديد هذا اليوم، ومرة أخرى عجزتُ عن النوم، كنتُ أحسِّ بالمرض مثل شبحٍ يرافقني أنى اتجهْت، وكنتُ قلقاً بشدّة وأوجاعُ رأسي متفاقمة، ولَم أحصَل إلاّ على قليلٍ جداً مِن الهدوء قبل الفجر بقليل.
</p>
<p style="text-align:center;"><strong>* * *</strong></p>
<p>&#8212;&#8212;&#8212;&#8212;&#8212;&#8212;&#8212;&#8212;&#8212;&#8212;<br />
<a class="a2a_dd" href="http://www.addtoany.com/share_save?linkname=%D9%85%D8%B0%D9%83%D8%B1%D8%A7%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%8A%D8%A7%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D8%AA..%20%D8%A7%D9%84%D8%B7%D8%B1%D9%8A%D9%82%20%D8%A5%D9%84%D9%89%20%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%A8%D9%83%20(4)&amp;linkurl=http%3A%2F%2Fmedaad.wordpress.com%2F2009%2F03%2F25%2Fconscription4%2F"><img src="http://static.addtoany.com/buttons/share_save_171_16.png" width="171" height="16"/></a>a2a_linkname=&#8221;مذكرات الأيام الست.. الطريق إلى النبك (4)&#8221;;a2a_linkurl=&#8221;http://medaad.wordpress.com/2009/03/25/conscription4/&#8221;;<br />
&#8212;&#8212;&#8212;&#8212;&#8212;&#8212;&#8212;&#8212;&#8212;&#8212;<br />
<strong><br />
</strong><strong>مواضيع ذات صلة:</strong><br />
<a href="http://medaad.wordpress.com/2009/03/13/conscription/">- مذكرات الأيام السِّت.. الطريق إلى النبك (القسم الأول)</a><br />
<a href="http://medaad.wordpress.com/2009/03/16/conscription2/">- مذكرات الأيام السِّت.. الطريق إلى النبك (القسم الثاني)</a><br />
<a href="http://medaad.wordpress.com/2009/03/21/conscription3/">- مذكرات الأيام السِّت.. الطريق إلى النبك (القسم الثالث)</a></p>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://nj180degree.com/2009/03/25/conscription4/feed/</wfw:commentRss>
		<slash:comments>8</slash:comments>
		</item>
		<item>
		<title>مذكرات الأيام السِّت.. الطريق إلى النبك.. (3)</title>
		<link>http://nj180degree.com/2009/03/21/conscription3/</link>
		<comments>http://nj180degree.com/2009/03/21/conscription3/#comments</comments>
		<pubDate>Sat, 21 Mar 2009 07:16:59 +0000</pubDate>
		<dc:creator>medaad</dc:creator>
				<category><![CDATA[الرصيف (قصص جداً قصيرة)]]></category>
		<category><![CDATA[مداديات]]></category>
		<category><![CDATA[قمع]]></category>
		<category><![CDATA[إجرام]]></category>
		<category><![CDATA[التجنيد الاجباري]]></category>
		<category><![CDATA[الشرطة العسكرية]]></category>
		<category><![CDATA[تجنيد]]></category>
		<category><![CDATA[حقوق إنسان]]></category>
		<category><![CDATA[دكتاتورية]]></category>
		<category><![CDATA[سلطوية]]></category>
		<category><![CDATA[سوريا]]></category>
		<category><![CDATA[سجن]]></category>
		<category><![CDATA[ضرب]]></category>
		<category><![CDATA[عسكرية]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://medaad.wordpress.com/?p=1013</guid>
		<description><![CDATA[اليوم الثالث 
في الصباح الباكِر، دخلَ أحدهم وقام بترديد أسماء بعض السجناء – المتهمين -، اقتادهم خارج السجن، وبعدَ انتظار دامَ أكثر من ساعتين جاءَ أحدهم واقتادني مع مجموعة من السجناء إلى الخارج، تمَّ تقييدنا مرّة أخرى في قيود ثنائية (كل اثنان في قيد)، وساقونا إلى سيارة في الخارج، وضعونا فيما يسمونه (القفص) الخلفي، وأخذونا [...]]]></description>
			<content:encoded><![CDATA[<p style="text-align:center;"><strong>اليوم الثالث </strong></p>
<p>في الصباح الباكِر، دخلَ أحدهم وقام بترديد أسماء بعض السجناء – المتهمين -، اقتادهم خارج السجن، وبعدَ انتظار دامَ أكثر من ساعتين جاءَ أحدهم واقتادني مع مجموعة من السجناء إلى الخارج، تمَّ تقييدنا مرّة أخرى في قيود ثنائية (كل اثنان في قيد)، وساقونا إلى سيارة في الخارج، وضعونا فيما يسمونه (القفص) الخلفي، وأخذونا إلى شعبة التجنيد.</p>
<p>لوْ أردتُ أن أجلِسَ معَ كبار المختصين النفسيين على هذه الكرة الأرضية، ليمنحني القدرة على شرح الحالة، وأنا أنزل من ذلك القفص المقيت أمام أنظار العالم مقيداً بيدي الاثنتين، غارقاً في الإذلال، يمسكني اثنان ويجرّاني بسرعة، وشعبة تجنيد تلك المدينة تقع وسط سوق شعبية لمن لا يعرف.. من الممكن أن يراني أكثر من مائة شخص أثناء نزولي ثم صعودي إلى مقرّ الشعبة كأنني سجين مُدان ارتكب جريمة ما بحقّ المجتمع. أستغربُ من بلاد تصنع من أبناءها مجرمين كرهاً وتضعهم في خانة مع كبار العتاة ثم يُطلب منهم أن يخدموا الوطن..؟!! لا أعرف إن كنتُ سأخدم وطني أم سأخدم من يملكونه..؟!!! سؤال أشعل هواجسي من جديد وشرّع الأسئلة عن جدوائية هذه المعمعة كلها..</p>
<p>اضطررتُ حينها لرفع رأسي عالياً عندما تذكرتُ منظرَ المقتادين إلى السجون حين ينزلون وسط الناس وهم مطأطئي الرؤوس، فأنا لستُ مجرماً ولن يلبسوني روح المجرم حتى ولو بالقوّة..، ولَن أدفعَ فاتورة كوني في بلدٍ لا يحترم مثقفيه فضلاً عن أن يحترم مواطنه العادي..</p>
<p><span id="more-1013"></span></p>
<p>بقيودي وهمِّي وهواجسي وأفكاري صعدتُ، دخلتُ إلى غرفة رئيس الشعبة، أخبرني أن أوراق تأجيلي تمَّ رفضها في دمشق، وأنني سأسُاق إلى الخدمة الإلزامية، خرجتُ من الغرفة ودخلتُ غرفة أخرى تم إملاء يياناتي فيها وتسجيل بدء مهمة على دفتر الخدمة الإلزامية، قادني عسكري من الشعبة إلى الشرطة العسكرية، ثمة أشخاص تكلّموا لأجلي هناك معَ أحدهم (مساعِد على ما أعتقد).. فطلَب عدم تفتيشي هذه المرة، وأدخلوني في زنزانة أخرى مكتوب عليها (مهجع الشرطة).</p>
<p>بقيت لوحدي فترة ما ثم دخلَ شاب آخر كان على وشك إنهاء خدمته في مركز الشرطة العسكرية قبل أن يتعرّض لحادث دراجة نارية جعلته يدخل في دوامة استمرت لأكثر من أسبوع، بعد حوالي الساعتين أو أكثر، دخلَ مجموعة رجال تبدو عليهم علائم الوقار، ويصعبُ تصديق أن أمثالهم يمكن لهم أن يتواجدوا في مكان كهذا يوماً، كانوا متهمين بالتعاون مع عسكري السجن المدني في تلك المدينة من أجل صفقات تجارية أو ما شابه، هذا ما فهمته.</p>
<p>تسليتُ (بغصة) وأنا أستمعُ إلى أسلوب التحقيق الذي استخدموه معَ أحدهم (تجاوزَ الأربعين وربما اقترب من الخمسين)..، ادخلوهُ في دولاب. وآخر تجاوز الخمسين فعلاً .. ( &#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230; ) ، لَن أبكي الآن ، العسكري المسكين، ضُربَ بقسوة شديدة من أجل الاعتراف بأسماء أشخاص، وهوَ لا يملك هذه الأسماء، لَم أستطع الاستمرار في الإصغاء إلى قصص هؤلاء، أخذت زاوية من ذلك السجن القاتم ، &#8230;&#8230;. ولليوم الثالث على التوالي &#8230;.</p>
<p>نمتُ ؟! .</p>
<p>&#8212;&#8212;&#8212;&#8212;&#8212;&#8212;&#8212;&#8212;&#8212;&#8212;&#8212;&#8211;<br />
<a class="a2a_dd" href="http://www.addtoany.com/share_save?linkname=%D9%85%D8%B0%D9%83%D8%B1%D8%A7%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%8A%D8%A7%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%91%D9%90%D8%AA..%20%D8%A7%D9%84%D8%B7%D8%B1%D9%8A%D9%82%20%D8%A5%D9%84%D9%89%20%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%A8%D9%83..%20(3)&amp;linkurl=http%3A%2F%2Fmedaad.wordpress.com%2F2009%2F03%2F21%2Fconscription3%2F"><img src="http://static.addtoany.com/buttons/share_save_171_16.png" width="171" height="16" border="0"/></a>a2a_linkname=&#8221;مذكرات الأيام السِّت.. الطريق إلى النبك.. (3)&#8221;;a2a_linkurl=&#8221;http://medaad.wordpress.com/2009/03/21/conscription3/&#8221;;</p>
<p>&#8212;&#8212;&#8212;&#8212;&#8212;&#8212;&#8212;&#8212;&#8212;&#8212;&#8212;&#8211;</p>
<p><strong>مواضيع ذات صلة:</strong></p>
<p><a href="http://medaad.wordpress.com/2009/03/13/conscription/" target="_blank">- مذكّرات الأيام السِّت.. الطريق إلى النبك (القسم الأول)</a></p>
<p><a href="http://medaad.wordpress.com/2009/03/16/conscription2/" target="_blank">- مذكّرات الأيام السِّت.. الطريق إلى النبك (القسم الثاني)</a></p>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://nj180degree.com/2009/03/21/conscription3/feed/</wfw:commentRss>
		<slash:comments>13</slash:comments>
		</item>
		<item>
		<title>مذكرات الأيام السِّت.. الطريق إلى النبك.. (2)</title>
		<link>http://nj180degree.com/2009/03/16/conscription2/</link>
		<comments>http://nj180degree.com/2009/03/16/conscription2/#comments</comments>
		<pubDate>Mon, 16 Mar 2009 09:38:50 +0000</pubDate>
		<dc:creator>medaad</dc:creator>
				<category><![CDATA[الرصيف (قصص جداً قصيرة)]]></category>
		<category><![CDATA[محاكمة]]></category>
		<category><![CDATA[الأمن العسكري]]></category>
		<category><![CDATA[التجنيد الإجباري]]></category>
		<category><![CDATA[السجن العسكري]]></category>
		<category><![CDATA[الشرطة]]></category>
		<category><![CDATA[العسكرية]]></category>
		<category><![CDATA[دكتاتورية]]></category>
		<category><![CDATA[سوريا]]></category>
		<category><![CDATA[سجن]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://medaad.wordpress.com/?p=995</guid>
		<description><![CDATA[اليوم الثاني
(1)
في الصَّباح الباكر، جاءَ رجلٌ آخر، فتحَ بابَ الزنزانة وبدأ يلقي شتائم لَم أفهَم معظمها، كنتُ ما أزالُ في حالة من التيه وشيء من الضياع، كانت ليلةً مِن كابوس.. وإن غفلت عيني فيها قليلاً فهي لم تغفل إلا على حلمٍ واحِد.. أن كلَّ ما يجري مجرد خطأ وسيتم تصليحه في أقرب وقت، مع مرور [...]]]></description>
			<content:encoded><![CDATA[<p style="text-align:center;"><strong>اليوم الثاني<br />
(1)</strong></p>
<p>في الصَّباح الباكر، جاءَ رجلٌ آخر، فتحَ بابَ الزنزانة وبدأ يلقي شتائم لَم أفهَم معظمها، كنتُ ما أزالُ في حالة من التيه وشيء من الضياع، كانت ليلةً مِن كابوس.. وإن غفلت عيني فيها قليلاً فهي لم تغفل إلا على حلمٍ واحِد.. أن كلَّ ما يجري مجرد خطأ وسيتم تصليحه في أقرب وقت، مع مرور الوقت كان يتضحُ لي تماماً مدى الوهم الذي أنا فيه، كانَ هذا الرجل أشدّ غلاظةً ووحشيةً مِن رجل الأمس.</p>
<p>تقدّم إلى داخل الزنزانة، كانت حركة يده ونظرات عينيه توضحان تماماً بأنه ينوي ضربي، لَم أفهم ما المشكلة، حتى أمرني بالوقوف وبدأ يهذي &#8220;مرة تانيي بتقوم توقف على حيلك بس فوت ولا، ماتشوف حالك عليْنا، فهمان ولا&#8221;.. قمتُ بالتحديق في عينيه بهدوء، وقلت له: &#8220;طول بالك، ما كنت منتبه، بعدين أنا أول مرة بفوت هيك مكان وما بعرف قوانين التعامل فيه&#8221;..، ثم بدأ بإلقاء شتائم متواصِلة، بلعتها بصَمت، أعطاني رغيفين وبيضتين وقال لي إنه فطور لي ولزميلي في الغرفة، وزميل الزنزانة هذا كان مزوّر رخصة سيارة شحن كان قد اقتيد إلى التحقيق، عندما عادَ هذا الرجل لاحقاً أعطيته الرغيفين والبيضتين. كنت عاجزاً تماماً عن إدخال لقمة واحدة في جوفي، وكان جسدي غاضباً وروحي في حالة هيجان ومشاعري في قلق وهوس..</p>
<p>بعد لحظات، عادَ ذلك الغليظ الوقح، فتحَ الزنزانة واقتادني إلى الخارج، وضعني في غرفة التحقيق وأمرني بالبصم على أوراق لم يُسمح لي بقراءتها (وأنا لا أعرف مضمونها إلى الآن).. ثمَّ قادني خارجاً وبدأ بتوجيه ضربات خفيفة بكفه على قفا رأسي بنوع من الإذلال، ومرّة أخرى اجتاحني شعورٌ بغيض تجاهَ هؤلاء القردة الذين لا يعرفون مِن الحياةِ إلاّ أكثرَ تفاصيلها وساخة، كنت مشتعلاً ومصاباً بإحباطٍ شديد، كانَ بجانبي مجموعة أولاد أعمارهم بين 18 وال 20 اقتادوهم إلى المكان لنفس السبب (تخلّف عن الخدمة).. بعضهم لم يكن يعرف أنه متخلّف أصلاً لأنه لم يصله أي تبليغ من شعبة تجنيده وهذا سينطبق على معظم الشباب الصغار الذين سأقابلهم فيما سيأتي من سجون وأقبية و&#8221;مشخات&#8221; (عافاكم الله) مسخرة ومذلة وغباء..، أيُّ عالمٍ هذا الذي نعيشُ فيه.. أيُّ عالم ؟!..</p>
<p><span id="more-995"></span>لحظات.. حتى دخل أحدَ هؤلاء الكلاب وهوَ يقتاد (طفلاً) آخر.. كان ذلِك (الطفل الشاب) مرعوباً بدرجات عندما نطق بكلمات قليلة مفادها أنه لم يكن يعرف أنه متخلف حتى انهارَ عليه ذلك الغليظ الوقح بصفعاتٍ متتاليةٍ على وجهه، الشباب الصغار بجانبي بدؤوا يبكون، لأنهم خافوا من تلقي نفس المصير، فقمت بتهدئتهم وأخبرتهم أن لا أحد سيقترب منهم إن فعلوا ما يُطلب منهم، ولكن ذلك النذل عادَ ليوجه صفعات إلى قفا رأسي مجدداً وهوَ يعرفُ تهمتي (تخلف عن الخدمة) وعمري ومهنتي، لكنهُ مريض..</p>
<p>هؤلاء البهائم.. يفرغون نقصهم عندَ أول فرصةٍ تسنحُ أمامهم في الأطفال والمثقفين، كانت هذه اللحظات الأخيرة عصيبة جداً، وكنتُ أرجو أن أنتهي منها دون أن أبدي أي ردة فعلٍ قاسية قد تزيد الأمور سوءاً وفي نفس الوقت وجدتني مضطراً لتهدئة الشبان الصغار الذين رافقوني رحلةً بدأت بعدَ لحظات.
</p>
<p style="text-align:center;"><strong>(2)</strong></p>
<p style="text-align:center;">
<p>كانت الساعة حوالي العاشرة والنصف صباحاً عندما اقتادنا مجموعة من أربعة رجال إلى سيارة خارج الفرع، حشرونا في صندوقها الخلفي؛ أنا وشابين في التاسعة عشرة من عمرهما، كلاهما تم اقتياده بدون تبليغ مسبق، وقفنا للحظات أمام أحد الأبواب، كنا في انتظار الخامس ليرافقنا من جديد إلى إلى قسم الشرطة العسكرية في المدينة المجاورة..</p>
<p>&#8220;هل نحن مجرمون، خمسة رجال وبنقدية وذخيرة.. إنها الحرب لا محالة، هؤلاء الذي يهربون كالقطط عندَ أولِ اختبار رجولة حقيقي&#8221;.. لحظات حتى أتى ذلك (الخامس) وعلى ما يبدو فإنه كان مغتاظاً لأنهم أفاقوه من نومهِ باكراً، فكانَ أول ما فعله لدى دخوله السيارة أن توجه إلى الصندوق الخلفي وبدأ ينهال علينا بالضرب، بقية مدّعي الرجولة (النساء)  ضحكوا قليلاً من الموقف ثم أوقفوه، ثمَّ أخبره أحدهم بأني مهندس، فما كانَ منه إلاّ وأن بدأ بتوجيه شتائم أصابَ في أحدها (عَرضي) مباشرةً.. الآخرون استمرّوا في الضحك، أما أنا فقد شددت يدي على القيد حتى أني أحسستُ أنها على وشكِ الانكسار، وقد تسببتُ بألمٍ لنفسي، لا شيءَ يمكنُ وصفهُ هنا.. باختصار شديد (أنا منهار.. منهار تماماً).</p>
<p style="text-align:center;"><strong>(3)</strong></p>
<p style="text-align:center;">
<p>في فرع الشرطة العسكرية في المدينة الأخرى، قاموا بإنزالنا إلى (قبوٍ آخر)..، وتمَّ تسليمنا إلى (السِّجن) هناك، دخلنا غرفةَ التحقيق، وتم أخذ بياناتنا وأماناتنا، ثم قادني أحدهم إلى الخارج، وأمرني بالانتظار قليلاً، الشابين الآخرين تم تفتيشهما وتعريتهما وأُخذوا إلى زنزانة قريبة، أما أنا فقد تمَّ أخذي إلى شعبة التجنيد بصحبة عسكري، هناك أعطوني ورقة إيداع لمدة 24 ساعة حتى يتمّ السؤال عن أوراق تأجيل الخدمة في دمشق، ثم تم إعادتي إلى سجن (الشرطة العسكرية)، أدخلوني إلى هذا المكان المظلم، ومرة أخرى، مجموعة كلاب وأنذال قاموا بتفتيشي بطريقة غوغائية عُريتُ تماماً، ثمَّ أدخلتُ إلى زنزانة مكتوب عليها (مهجع المدنيين).</p>
<p>المكان قذر، وفيه زاوية يتم قضاء الحاجة فيها، تملأ المكان بالروائح القذرة، أما نزلاء هذا المهجع فهم إمّا مجرمون محكومون، وإما متهمون ينتظرون صدور قرار القضاء العسكري بأمرهم، معظمهم أصحاب سوابق لديهم مشاكل مع جهات عسكرية، (م , أ) تاجر مخدرات يملك الملايين، لديهِ تهمة إشهار سلاح في وجه مدني أعزل غير تهمته الأساسية تجارة المخدرات وتهريبها.. وآخر نسيت اسمه يحمل على عاتقه ثماني تهم كاملة، لم أستطع تذكر إلا أهونها وهو سلب بالعنف، وآخر متهم بحيازة سلاح وآخر القتل عن قصد بعد مشاجرة، وآخر مهرّب خطير، وآخر يملك تهَم قديمة لَم تنتهِ محاكمته منها بعد..  و و و والخ..</p>
<p>كل هؤلاء جمعني معهم زنزانة واحدة ومعَ مجموعة شباب صغار في السِّن وكلُّنا تحت نفس السقف، شباب لم يجدوا في قواميسهم للإجرام معنىً بعد.. كانَ ذلكَ اليوم قاسياً جداً، وحالة الاختناق التي أصابتني لَم تمنعني أبداً مِن تداول الحديث مع البعض، كنتُ غاضبا وحزيناً في نفس الوقت، لا أعرف لم وجدتني مضطراً للتخفيف عن أولئك الشبان الصِّغار، فهم لا يستحقونَ أبداً ما هم فيه، مساكين لا يفهمون كل ما يجري، ومستسلمين تماماً لما صاروا فيه كالقرابين، ولا يسألون إن كان خطأ أو صواب، الكل يبحثُ فقط عن خلاص لتنتهي كل هذه الأزمة وأن يزولَ هذا الكابوس المرعب.</p>
<p>لليوم الثاني على التوالي فقدتُ القدرة على الأكل، حتى بدأت أوجاع الرأس تتصاعَد، وجدتُ نفسي عندها مضطراً لتناول بعض الخبز حتى آخذ دواء تمَّ تقطيره لي بالحبَّة مِن قبل العساكر السجانين. حتى هذه اللحظة، كانت حالة الانهيار التي عشتها مشوبة ببعض أمل أن تأتي أوراقي من دمشق بالموافقة على التأجيل، وتصوّروا معي أنني إلى الآن موقوف وأتنقل من ذلّ إلى ذل.. دونَ تهمة بحقي، ويُنتظر مني أن أكونَ جاهزاً لخدمةِ العلم، وأنا واللهِ.. أحب هذه الأرض، ولأنني أحبها، سأتجاوز هذا الأمر، لا بدَّ من ذلك، فلَن أتوقفَ عندَ هذا أبداً، لا أستطيع التوقف، فعلى هذه الأرض ما هوَ أطهر لأضحي لأجله، وهؤلاء الكلاب سينتهون.. جميعهم إلى زوال.</p>
<p>لَم أستطع النوم. الروائح القذرة، صوت شخير يأتي من هنا وهناك، قلقٌ وترقب، وبردٌ شديد في كلّ شيء.. في كل شيء، حتى بدأت السماء تُمطر، بعثَ المطرُ في داخلي شيئاً مِن الشعور بالأمان&#8230; ونِمت.</p>
<p>&#8212;&#8212;&#8212;&#8212;&#8212;&#8212;&#8212;&#8212;&#8212;&#8212;&#8212;&#8211;<br />
<a class="a2a_dd" href="http://www.addtoany.com/share_save?linkname=%D9%85%D8%B0%D9%83%D8%B1%D8%A7%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%8A%D8%A7%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%91%D8%AA..%20%D8%A7%D9%84%D8%B7%D8%B1%D9%8A%D9%82%20%D8%A5%D9%84%D9%89%20%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%A8%D9%83%202&amp;linkurl=http%3A%2F%2Fmedaad.wordpress.com%2F2009%2F03%2F16%2Fconscription2%2F"><img src="http://static.addtoany.com/buttons/share_save_171_16.png" width="171" height="16" border="0"/></a>a2a_linkname=&#8221;مذكرات الأيام السّت.. الطريق إلى النبك 2&#8243;;a2a_linkurl=&#8221;http://medaad.wordpress.com/2009/03/16/conscription2/&#8221;;<br />
&#8212;&#8212;&#8212;&#8212;&#8212;&#8212;&#8212;&#8212;&#8212;&#8212;&#8212;&#8211;</p>
<p><strong>مواضيع ذات صلة:</strong><br />
<a href="http://medaad.wordpress.com/2009/03/13/conscription/" target="_blank">- مذكّرات الأيام السِّت.. الطريق إلى النبك (القسم الأول)</a></p>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://nj180degree.com/2009/03/16/conscription2/feed/</wfw:commentRss>
		<slash:comments>32</slash:comments>
		</item>
		<item>
		<title>مذكرات الأيام السِّت.. الطريق إلى النبك..(1)</title>
		<link>http://nj180degree.com/2009/03/13/conscription/</link>
		<comments>http://nj180degree.com/2009/03/13/conscription/#comments</comments>
		<pubDate>Fri, 13 Mar 2009 09:41:05 +0000</pubDate>
		<dc:creator>medaad</dc:creator>
				<category><![CDATA[الرصيف (قصص جداً قصيرة)]]></category>
		<category><![CDATA[مذكرات]]></category>
		<category><![CDATA[نثر أدبي]]></category>
		<category><![CDATA[أدب]]></category>
		<category><![CDATA[النبك]]></category>
		<category><![CDATA[الجيش]]></category>
		<category><![CDATA[خدمة إلزامية]]></category>
		<category><![CDATA[خدمة الجيش]]></category>
		<category><![CDATA[خدمة العلم]]></category>
		<category><![CDATA[سوريا]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://medaad.wordpress.com/?p=984</guid>
		<description><![CDATA[عزيزي القارئ.. هذه القصة ليست قصة اليوم، ولا قصة البارحة.. هذه قصة تمتدّ على عقود، وهي ليست قصة أحمد.. أو محمد.. أو ياسر.. أو نضال.. أو حسام.. أو رامي.. أو طارق.. هذه قصة كلّ شاب رضع حب وطنه من ثدي أمه.. ذاب في ترابها حدّ الاندثار.. هذه ليست قصة شاب، مثقف أو طالب أو عامل [...]]]></description>
			<content:encoded><![CDATA[<p><strong>عزيزي القارئ.. هذه القصة ليست قصة اليوم، ولا قصة البارحة.. هذه قصة تمتدّ على عقود، وهي ليست قصة أحمد.. أو محمد.. أو ياسر.. أو نضال.. أو حسام.. أو رامي.. أو طارق.. هذه قصة كلّ شاب رضع حب وطنه من ثدي أمه.. ذاب في ترابها حدّ الاندثار.. هذه ليست قصة شاب، مثقف أو طالب أو عامل أو  صانع أو أجير أو أو أو.. هذه قصة وطن بأسره.. </strong></p>
<p><strong>هذه القصة حقيقية جداً وتحدث كلّ ليلة يعرفها البعض وقد لا يعرفها البعض الآخر.. </strong></p>
<p><strong>هذه قصة مواطن عربي سوري عادي جداً على درجة من الثقافة والوعي لا ينتمي إلا لوطنه، قال لي يوماً: &#8220;إن لفظنا الوطن فأين نذهب؟!!&#8221;.. &#8220;هل يستطيع أحد ما في هذا الكون أن يعيش بلا وطن؟!!&#8221;..<br />
هذه قصته..</strong></p>
<p style="text-align:center;"><strong>مذكرات الأيام الست.. الطريق إلى النبك..</strong></p>
<p>قد يظنُّ من سيقرأ هذه المذكرات أنني أحاولُ سرْدَ أحداثٍ مشوِّقة ليملأَ بها بعضُ الشَّواذ أوقاتَ فراغِهِم المتورِّمة ويستخدمها آخرون لنقاشات عقيمة يجمِّلون بها هيئاتِهِم الثقافية، وربما قد يظنُّ آخر بأنني أتسلَّى بفتاتِ ذاكرة عَبَرَت يوْماً، ولكن القليل ربما هوَ مِن سيدرُك عمقَ هذهِ المذكرات ومدى شاهق أثرها.. ولا أقول العميق، لأنَّ شيئاً ما ارتفَعَ وطاف على سطح الماء وصارَ واضِحاً، فانجلَت رؤيا كانت ضبابيَّة..  وبانَت رائحَة لطالَما اختلَطَت بالوهْم والمسافات، ليْسَت هذهِ الأحداثُ التي أسردها الآن وسيلة حتى يستخدمَها بعض &#8220;المعتوهِين والناقصين&#8221; ليهاجموا بها الأرض التي عليها وُلدت وعليها أموت إنما هيَ لِفَضحِ بعضِ مماراساتِ الخارجينَ عَن أخلاقياتِ البشَر ومَدى غيابهِم عن أنظارِ أصحابِ القرار المتدثرين بكسلهم ونعاسِهِم وهواجسهِم المادية والجنسية..</p>
<p>الكاتب.. مواطِن عربي سوري<br />
المهنة.. مهندس ما أو طبيب ما أو جامعيّ ما..<br />
العمر.. حوالي ثلاثة عقود أو أقل</p>
<p><span id="more-984"></span></p>
<p style="text-align:center;"><strong>اليوم الأول<br />
(1)<br />
</strong></p>
<p>ترجلتُ عن الباصِ الأصفر الذي أقلَّني من دمشق، ولَم يكُن ثمةٌ في ذاكرتي أكثر مِن تفاصيلَ تتعلقُ ببعضِ الأعمالِ التي لم تنتهِ بعد، وبعض الأشياء السَّطحية التي لا قيمة تذكر لها، كنتُ أعرفُ تماماً الوجهة التي أذهب إليها، كنتُ قد اتفقت مع أحدهم لزيارتِهِ في فرعِ الأمن مِن أجل تزويده ببعض المعلوماتِ المهمة وإعطائِهِ أوراق كان قد طلبها مني هاتفياً.. بعدَ أن كانَ قد أبلغَني مراراً بأن الأمر روتيني بحت وأنني سأكون مطمئناً وراضِ تماماً، وليسَ ثمَّة ما يقلِق في المسألة برمتِها، وأنني سأعود إلى بيتي بعد ذلك.. مدة طويلة منذ آخر مرة غدرني فيها أحدهم، استقليت سيارة أخرى صفراء اللون وذهبت إلى ما يسمى بـِ(فرع الأمن العسكري) .</p>
<p>عِندما وصلتُ إلى المكان كانتِ الأجواء ساكنة تماماً ولَم يكُن ثمة ما يدعو للقلق، مطر الأيام الثلاث السابقة قد توقف رغم الغيوم المتفرقة في السماء ونفسيتي هادئة ومستقرّة وسائق التاكسي بجانبي صامت وهادئ ولا يبدي رأياً، تأملتُ بناء فرع الأمن العسكري من خلف زجاج السيارة الصفراء كانَ باهِتا وعادياً، لم تكَد تمرُّ الدقيقة الخامِسة وأنا على حالتي هذه حتى مددتُ يدي إلى محفظتي.. نقدتُ السائق مبلغ خمسين ليرة سورية ونزلت.
</p>
<p style="text-align:center;"><strong>(2)</strong></p>
<p>عندما اقتربتُ من بوابة المبنى الرئيسية اقتربَ مني شاب يرتدي بزّة عسكرية يتأبط سلاحاً ما وسرعان ما خرج شاب آخر (مدني) من غرفة خارج البوابة وأشارَ بيده إلى العسكري بالابتعاد قائلاً (هذا ضيفي) .. بدَت كلمتهُ غبية ومتعِبة في نفس الوقت بالنسبة لي.. فأنا لطالَما كرهتُ أولئكَ المتملِّقين الذين يبدونَ اهتماماً بأشخاصٍ لا يعرفونهم (كنتُ مخطئاً بخصوص هذا الشخص).. كانَ نفسه ذلك الشخص الذي كان يلاحقني لمدة شهر كامل باتصالاتِهِ الهاتفية، استقبلني بحرارة وابتسامة باردة وطلَبَ مني الدخول إلى تلك الحجرة الخارجية.</p>
<p>مِن داخل الحجرة تلك أجرى اتصالا ظهرَ لي فيما بعد أنه خلَّبي (وهميّ)، ثمَّ طلَبَ مِني أن أصْحَبَهُ داخِل المبنى لنقابلَ هُناك (ضابط برتبة عقيد) &#8211; عرفتُ فيما بعد ألاّ وجودَ له أساساً -. كانَت لحظة دخولي إلى ذلك المبنى، هيَ اللحظة التي فقدتُ بها حريتي بشكل كامل على مدار ستة أيَّام عومِلتُ بها كمجرم خارجٍ عنِ القانون.</p>
<p>كانت المسافة التي مشيناها قصيرة وبدأت تطول حين نزلنا أدراجاً إلى قبوٍ تفوحُ مِن أنحائِهِ روائِحِ البوْل والغائِط مختلطة نوعاً ما برائحة نرجيلة تخرج من غرفة بعيدة، وبالنسبة لي؛ لَم يبدُ أيَّ شيء حقيقياً، فهذا وهمٌ أو مداعبة ستنتهي عاجلاً، ويصعب عليَّ تصديق أن يكون هذا مكاناً ملائماً لتبادل أحاديث ودية مع ضابط أمن للحصول على بعض المعلومات بشأن التجنيد..</p>
<p>قرعَ ذلك الشخص باباً حديدياً مراراً قبلَ أن يفتحه شخص آخر لم يتسنَّ لي معرفة اسمه، استلَمني وقادَني إلى غرفةٍ داخلية وكانت تلك الروائح ما تزال تفوحُ بقسوة مِن الزوايا الخربة لمكانٍ عفِن، كان في الغرفة طاولة وسرير معدني وكرسيان جلستُ على أحدهما وجلس هوَ مقابل الطاولة التي وضع على مقدمته ورقة من الكرتون المقوى مكتوب عليها (محقق)، بعدَ انتظار قليل احتفظتٌ خلالَهُ بصَمتي وهدوئي..  راحَ يذكرني هذا الرجل الغريب بأن ثمة عقيد سيأتي عمَّ قليل ليقابلني، طلَبَ مني أن أسلمهُ هاتفي النقال ومحفظتي وحقيبة يدي التي كنت أحملها، سلمته كل شيء مدركاً أنني في فرع أمن عسكري وأنهم لا بدّ يأخذون احتياطاتهم بالتفتيش قبل قدوم ذلك الضابط (الخلَّبي) .. إلى أن بدأت تصرفاته تبدو غريبة بعضَ الشيء.</p>
<p>أغلقَ الهاتِف .. ووضعَ هويتي في درج الطاولة وقام بعدِّ المبلغ المالي في محفظتي وصارَ يسجل كل شيء على ورقة صغيرة، وكل هذا يحدث وأنا في حالة ذهول تامة وبدأتُ أتوجسُ لأول مرة من دخولي هذا المكان. اقتربَ مني وطلب مني الوقوف، فتشني جيداً..  ثمَّ عادَ خلفَ طاولته، وبابتسامة صفراء أخبرني بحقيقة الأمر سنقودكُ إلى الخدمة الإلزامية (موجوداً). وصارت كلمة (موجوداً) هذه فيما بعد الكلِمة الأبشع في قاموس اللغة العربية.. لأنَّ ترجمتها تعني أنكَ مجرد بهيمة في مباني الدولة الشرطية والأمنية، بقيتُ صامتاً وتسمّرت نظراتي على تقاسيم وجهه، أبحث فيها إن كان ثمة مكانٍ للمزاح فيها، لكن لا شيء..</p>
<p>استمرَّ في كذبته بخصوص الضابط الذي سيقابلني، وقامَ بمنحي (هدية) عظيمة فقط لأنني (مثقف ومهندس) فسيسمح لي بإجراء اتصال هاتفي وحيد مع أهلي فقط، ولم يسمح لي بأن أتحدث لهم بأيِّ شيء.. سوى أنني في فرع الأمن العسكري وأنهم سيسوقوني إلى الجيش .</p>
<p>بعدَ قليل، بدأت أوامره تأخذ مساراً أكثرَ تعنتاً وحدّة، أمرني بالوقوف، اقتادني إلى أول زنزانةٍ في حياتي، دخلتُ إلى مكانٍ يسهلُ وصفه.. ويصعبُ تذكر تفاصيله، بقدر ما هي قذرة وبشعة، وتعكِسُ حالَة سقوطٍ هائِل لدى مؤسساتِ الدولة الأمنية، كانَ المكان مجموعة مِن الصناديق الصغيرة (غرف توقيف) مفتوحة على موزع ضيق وحمام.. أو مكان لقضاء الحاجة لا باب له، وتفوحُ مِن المكان رائحة كريهة قد يصعبُ على البهائم تحملها.</p>
<p>كنتُ تحت وقع صدمة شديدة لكل ما يجري، لَم أستطِع التفكير بشيء، صرتُ أتحرك بسرعة وبخطوات ثقيلة داخل هذا الفراغ القذر المشؤوم، لَم أستطع البكاء.. لم أفسَح مجالاً لقلبي حتى يضعف، رفضت الوقوف، صرت أتحركُ بسرعة، وصرتُ أتذكر أشياء مهمة وأخرى تافهة، كانَ دماغي مثقلاً بدهشةِ الواقِعَة وبسخريةِ مجرى الأحداث (لقد جئتُ بقدمي إليهِم ولو بخدعة).. تذكرت الله ، استغفرته ..  طلبتُ منه بوثوق أن يقف بجانبي، وأحسستُ ظلاله، استجمعتُ قوايَ، وقررتُ ألا مجالَ للانهيار هنا (ولا أعرف ما قد يأتي لاحقاً مِن أحداث ووقائع) ..</p>
<p>عدتُ وصرخت بذلك الرجل وطلبتُ منه أن أقابل ذلك (الضابط المزعوم) فأخبرني أنهُ تأخر الوقت، وقد لا يأتي اليوم، بسرعة أدركتُ الأمر  وأنَّ أمر الضابط كذبة رخيصة أخرى، مرت حوالي الساعتين والنصف كأنهما دهر كامِل، بعد ذلك.. جاءَ هذا الرجل وفتحَ الزنزانة..  نظرتُ إليه مباشرة.. ودونَ أن أتوجهَ إليه بأيِّ السؤال قادني إلى الخارج وقال &#8230;&#8230;: إلى المدينة؟!!!!</p>
<p style="text-align:center;"><strong>(3)</strong></p>
<p>لا أعرفُ كيفَ يُمكنُ أن أخدَمَ علَمَ دوْلَتي.. وأنا أتجرَّعُ هذه المهاناتِ المتوالية التي تسبقُ وصولي إلى مركز السُّوْق الكائِن في مدينةِ النبك خارج دمشق، سأستمرُّ في السَّردِ ما استطعت، لا مجالَ لسردٍ أدبي هنا .. إنما وقائِع، والمزيد من الوقائِع.</p>
<p>قادَني ذلك الرجل إلى الخارِج، وضَعَ في يدي قطعتيْ حديد (كلبشة &#8211; قيود)، صُدمت بداية وأخبرته أنه مخطئ فأنا لستُ مجرماً ولا خارجاً عن القانون، لكنهُ قال إنها الأوامِر، ولَم يكترث بحدَّة نبرة صوْتي، وأخبَرني بألاّ أجبرهُ على التصرّف بشكلٍ قد يزعجني (والمواطن السوري يعرف تماماً كيف يتصرف رجال الأمن عندما يرغبون بإزعاج الآخرين) ..</p>
<p>لا يمكن وصف الصَّدمة الأولى التي انتابتني وأنا مكبل بالقيود، لا يمكن وصفها أبداً، فإن ذاقها أي شخص قبلي، فليتكفّل عني بوصفها، كأيِّ مجرِم تم اقتيادي إلى سيارة (بيك آب) ركبنا فيها أنا والسائق ورجل الأمن وضعوني بينهما في المنتصف، وانطلقنا إلى المدينة. لا يوجد أي تفسير حتى الآن لاقتيادي إلى هناك، شيءٌ واحِدٌ يمكن ذكره ، مزيدٌ مِن الإذلال.</p>
<p>كانَ الطريقُ أشدُّ هدوءاً مِن قلبي الذي أخذَ ينبضُ بقسوة، وتلكَ المشاعر المتدفِّقة بأن دائِماً هُناك مَن يدفعني إلى كره وطني.. وأنا أحبُّ وطني.. وأكرهُ أن أكرهه بأفعالِ هؤلاء، تبادلَ السائق ورجل الأمن أحاديث تخصهما كانا يقطعانها بين الفينة والأخرى بتوجيه أسئلة غبية لم أكترث بها وجاوبت عليها باقتضاب، كانَ بالي مشغولا بما يمكن أن يحدث في المدينة.</p>
<p>وصلنا إلى فرع الأمن العسكري هناك بعدَ حوالي الساعة، كانَ الجوّ بارداً وموحشاً.. والتوقيت قارب العاشرة مساءاً، الثلج الذي غطى تلك المدينة في الأيام السابقة زال كلياً، عن الطرقاتِ فقط، وظلَّ مغطياً القلوب والعقول والرؤى، مرّة أخرى.. تمَّ اقتيادي إلى أسفل إلى القبو، وصلنا إلى غرفة مكتوب خارجها (السجن).. فيها رجل يرتدي بيجامة يجلس خلف طاولة يدخن ويشرب شيئاً ما ويشاهد التلفاز، كانت القيود ما تزال في يديّ، وكان جسدي كله يبكي.. إلاّ أنني حافظتُ على قواي، وحرصت ألاّ أظهر دمعة واحدة في ظلِّ أجواء كئيبة وقاسية لن يرحمني فيها أحد، كنتُ مدركاً ألا بشرياً على هذه الأرض يمكنه الوقوف بجانبي الآن.</p>
<p>شحنتُ ذاتي بالعزيمة وتقدمت، وكلما صَرخَ ذلك (القبيح) في وجهي زدتُ صرامة وزادَت نبرتي وثوقاً، عندما عرف أنني مهندس، خفضَ قليلاً مِن نبرة صوتِه، لكنَّهُ صار وبغباءٍ مدهِش يتوجهُ بنصائِحَ غبيَّة، وكأنهُ قد وجدَ فرصَتهُ حتى يعالجَ مرضهُ النفسيّ وإدراكهُ أنه يملك القوة (وهوَ لا يحمل شهادة سادس على الأغلب) أمام شخص أمضى حوالي العشرين سنة في المؤسسات الثقافية متدرجاً في درجاته العلمية، كانَ من البشاعةِ فعلاً أن أراقبَ هذا المشهد وأنا مدرك تماماً بأن هذا الساقط ينتظرُ مني اعتراضاً واحداً حتى يفرغَ نقصَهُ ويقضي حاجتهُ بضربي أو شتمي أو إذلالي بأي طريقة وهوَ ليسَ إلا مثالاً صارخاً لجيشٍ هائلٍ مِن المجيشين منذ عقود لإذلالِ المواطِن وإرغامهِ وإخضاعِه.</p>
<p>أمرني بالوقوف في زاويةِ الغرفة، ثمَّ جاءَ رجل آخر واقتادني إلى السجن، لَم أخطُ خطوتين حتى أمرني بخلع ملابسي، قامَ بنفضي نفضةً كامِلة (هل أنا مجرم).. عندما بقيتُ في سروالي الداخلي.. ليطالبني بخلعهِ هوَ الآخر. اجتاحَتني موجة اكتئابٍ ثقيلة، لَم أستوعب مسألة أن أتعرّى تماماً أمامَ أحدهِم وبهذا الأسلوب القذر (هل أنا مجرم)؟؟؟؟؟؟؟ !!!! .. ثمَّ أصرَّ عليَّ أن أخلعَ سروالي الداخلي.. وبدا لي من المستحيلِ أن يتراجعَ هذا الرجل عن أمره هذا، نظرتُ إلى الباب علّه يأتي أي شخص ينقذني من هذه الورطة، ويقول للرجل أنني لستُ مجرما وكل مافي الأمر أنني متخلف لفترة سوق واحدة لم تنتهِ بعد عن تأدية الخدمة الإلزامية، لكن لا شيء ..  والله لا شيء، بقيتُ شاحباً للحظة ثمَّ خلعتُ آخر قطعةٍ أرتديها من جسدي وبدأتُ أرتعِش، قبلَ أن يطالبني بتأدية حركة صعود ونزول (سموها فيما بعد حركتين أمان).. ومرة أخرى سمعتُ جسدي يبكي، ورفضتُ الانهزامَ أمامَ هؤلاء الكلاب.. (هل أنا مجرم.. هل أنا مجرم..؟؟!!!) ..</p>
<p>قادوني إلى زنزانة قريبة، كل شيءٍ فيها موحش، عدا صوت مزرابٍ آتٍ مِن منور يبدو أن التمديدات فيهِ معطلة أو شيء من ذلك القبيل، ثم بدأتِ السَّماءُ بالهطول &#8230;&#8230;&#8230;&#8230;. ونِمت .</p>
<p>(يتبع بكل تأكيد..)</p>
<p><a class="a2a_dd" href="http://www.addtoany.com/share_save?linkname=%D9%85%D8%B0%D9%83%D8%B1%D8%A7%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%8A%D8%A7%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D8%AA..%20%D8%A7%D9%84%D8%B7%D8%B1%D9%8A%D9%82%20%D8%A5%D9%84%D9%89%20%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%A8%D9%83..&amp;linkurl=http%3A%2F%2Fmedaad.wordpress.com%2F2009%2F03%2F13%2Fconscription"><img src="http://static.addtoany.com/buttons/share_save_171_16.png" alt="" width="171" height="16" /></a></p>
<p>&#8212;&#8212;&#8212;&#8212;&#8211;<br />
<strong>مواضيع ذات صلة:</strong><br />
<a href="http://medaad.wordpress.com/2009/03/16/conscription2/">- مذكّرات الأيام السّت.. الطريق إلى النبك (القسم الثاني)</a></p>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://nj180degree.com/2009/03/13/conscription/feed/</wfw:commentRss>
		<slash:comments>34</slash:comments>
		</item>
	</channel>
</rss>
