كان ذلك في خريف العام ألف وتسعمئة وكذا.. أحضره المختار وأفسح له مكاناً أمام بوابة بيته والذي كان جزءاً منه مكتب لإدارة شؤون القرية.. كان الصغار يعبثون به ريثما ينهي آبائهم عملهم في مكتب المختار.. يرمون له ببقايا الطعام وبقايا الأشياء الصغيرة.. وكان الشيء يلتهمها بسعادة..
قيل أن المختار أحضره من المدينة.. البعض قال إنه لقيط.. يتيم.. ضائع.. آخرون قالوا إنه نتاج سفاح غير شرعي بين المختار وإحدى بغايا المدينة.. الشيخ أبو فتحي نهرنا عن الحديث عن أصل الشيء في المقهى لما سيترتب علينا من خطايا بسبب ذلك على حد تعبيره.. لذلك ومع الوقت لم نعد نتحدث عن أصل ذلك الشيء.. فيما بعد لم نعد نجرؤ!!
بعد مضي الزمن الثاني كان الشيء قد كبر كثيراً وبسرعة كبيرة وغير طبيعية.. وأخذ يحتلّ قسماً كبيراً من بوابة المختار. قرر المختار أن يضعه في منتصف ساحة القرية، وبالفعل تم نقله إلى منتصف الساحة.
Read more…
فوق غمامة الموت يتكئ شيطانٌ أخرس على التابوت المستلقي فوق كتفي الأيمن، الطريق مدنّسٌ في الظلام وقدمي اليمنى تطأ الدرجة الأولى والأخرى لا أجدها في العتمة، ولا أذكر إن كان هناك أخرى أساساً.
في حلق الصمت يهمَسَ الشخص الذي على يميني “إنه شهيد”.. الآخر قال “بل مخرّب”.. ثالث قال “الأمر واضح.. إنه مندسّ”.. همس أحدهم من الخلف “ألا ترون بأنه مناضل”.. الذي في المقدمة قال: “بل جندي كان يقوم بواجبه”.. الحكيم قال “يجب أن ندفنه بأي حال..!!”..
صار لنا ستين يوماً ونحن ندور في حلقة مفرغة بتابوت الشؤوم المُلقى على كاهلنا.. لا نعرف أين ندفنه.. وكيف ندفنه.. ومن سيدفنه.. وكيف ستجري الشعائر الجنائزية عليه.. كل ما أعرفه بأننا كلنا متعبون.. وكلنا نودّ الخلاص من هذا الحمل الثقيل.
تقدّم أحدهم في العتمة وطلب أن ندفنه على الطريقة المسيحية فربما يكون مسيحياً..!! إلا أنّ الشيخ – أو هكذا ظننته – رفض ذلك وطلب أن ندفنه “مسلماً” تبعاً لنظرية الأغلبية كما ادّعى.. وشاعت همهمة كبيرة في الجنازة ولم نصل إلى حل بكل الأحوال.
حاولت أن أرى مَن هؤلاء الذين حولي ومن هوهذا الشخص الذي نحمله على أكتافنا كل هذا الوقت، وبدأت حدقتي عيني تتسعان بحثاً عن تفاصيل الوجوه الغائرة في الفراغ .. لكنني كلّما أمعنت النظر في الآخرين ازدادوا غموضاً.. أقربهم تلاشت ملامحه تماماً..
أين أنفه؟!!
أين أذنه؟!!
أين وجهه؟!!
هل هو مسخ؟!!
أحملق باستدارة وجهه وأغرق في عتمة عيني الثالثة، وأظنني فقأت أخواتها. السواد هنا آلهة، والبياض شيطانٌ فاجر.. وأنا فقدتُ الإحساس بالإحساس.
Read more…
مضت أربعة أيام منذ تناولي وجبة طعام.. أو ما يشبه الوجبة..
مررتُ منذ فترة بقصر الشعب بالصدفة.. ولأنني من الشعب، أو هكذا كان يخبرنا الوالي حين قمنا بانتخابه للمرة العشرين “يا أيها الشعب العظيم أنا منكم ولكم وإليكم ومن أجلكم.. وهذا القصر بُني من أموالكم فهو لكم وملككم وبابه مفتوح للجميع في كل وقت.. الخ”..
لذا قررتُ أن أزور “قصر الشعب” هذا.. قصري.. قصرنا.. في محاولة مني للبحث عما يسدّ جوعي..
عند سور القصر الخارجي كان الحرس ذوي البدلات الرسمية الأنيقة يتوزعون حول القصر.. حارس لكل مترين من السور ..
Read more…
عندما كان أحد كلاب الوالي يموت كنا نبكي عليه كثيراً.. وبحرقة..
لما مات الوالي..لم يبك أحد..
Read more…
مُبللاً بأثقالك واقفاً على باب القيامة، تدقُّ ناقوسك وتحمل وَجهك القديم ذاته، تتصاعدُ في جوفك أدخنة النرجيلة والسجائر والمصانع ولهاثُ المُضّطهدين.. أصدقاؤك يمرّون بك كالغُرباء تشيّعهم المَدينة الكارهة لأبناءها في توابيت شمعية مُسبقة الصّنع، تحملُ الريح جنائزهم وتعلكهم في أتونها المستعر.
وأنتَ أنتْ.. ما زلتَ تتنفس قسوة المدينة وتطيلُ النظرَ في الفراغ الهائل المُحيط بك، تتحشرجُ فيك كلّ الكلمات ويتشقّق لسانك عَطشاً للكلام.. تُدير حانتك بنفسك وتسقي نزلاءك رائحة المصيبة.
Read more…

لا أعرف كيف بدأ الأمر.. كل ما أذكره أنني خرجتُ ذات يوم إلى الشارع.. رأيت بعض الناس وقوفاً يرمقون السماء.. لم أعرهم اهتماماً، كان عددهم قليلاً لكن شيئاً فشيئاً بدأ عددهم بالازدياد..
مع مرور الوقت أصبح كل من في المدينة يرمق السماء.. مئات بل آلاف الناس في الشوارع والساحات والبيوت والأسطح وقفوا بجثثهم المنهكة يتطلعون إلى السماء بأعينٍ فارغة. الصبيان أيضاً وقفوا على أسطح الأبنية التي شهقت على طرفي الشوارع ينظرون إلى السماء بعيونهم المستديرة..
Read more…
| 5 |
ارتفع صوت أحد المواطنين مخاطباً القيصر: “يا سيدي كلنا أولادك ونحب هذا الوطن مثلك تماماً يا سيدي..” ولم يكمل كلامه.. فقد تم إلقاء القبض عليه من قبل (حماة الوطن مطهّروا الأرض من الشياطين) بتهمة ادّعاءه الانتساب لقيصر.. وقال القاضي في معرض ادّعاءه: (متى كان ابن الكلب ابناً لقيصر؟!!)!!
* * *
| 4 |
طلبوا مني أن أعبّر فأنا أملك حرية التعبير كما قالوا.. لم أكن ماهراً في موضوع التعبير.. وعندما عبّرتُ أخيراً قلت: “لا”.. أودعوني السجن..
* * *
| 3 |
هربنا من العمل أنا وهو باكرين وتركنا بقية الموظفين.. في القطار بدأنا نتحدث عن الإخلاص في العمل، في الكرسي المقابل جلست عاهرة معروفة وقد التفّ حولها الرجال.. كانت تتحدث عن الفضيلة بشكلٍ مبهر.. وكنا نحنُ نستمع بصمت..
Read more…
حدثت هذه القصة في الشهر الماضي أو ربما في العام 1986 لم أعد أذكر بالضبط، عندما كانت البلاد ترفل بالمخترعين والعباقرة، كان ذلك اليوم سيكون يوماً روتينياً جداً لموظف تسجيل براءات الاختراع في “وزارة المخترعين المحليين”، كان قد سجل في ذلك اليوم تسعة عشر اختراعاً مختلفاً. أذكر أن إحدى الاختراعات كانت عبارة عن “تواليت إفرنجي أوتوماتيكي” يقوم أوتوماتيكياً بغسل وتنظيف الـ؟؟؟ بعد الانتهاء من عملية الـ؟؟؟؟.
اختراع آخر كان عبارة عن جهاز يوضع على الفم كلما حاول صاحبه أن يتحدث بصوتٍ عال يقوم بخفض صوته وأحياناً يكتمه تبعاً لنوع الكلمات التي ستصدر منه، وقد لاقى هذا الجهاز استحساناً كبيراً وقام الموظف على الفور بتسجيله وتحويله إلى مصانع دائرة المخابرات والشرطة والأمن القومي ليتم صنع واحد مثله لكل مواطن.. مجاناً.. وتم تكريم صاحبه في ذلك اليوم بمبلغ كبير..
هكذا كانت تجري الأمور في “وزارة المخترعين المحليين” بشكلٍ يومي، إلى أن جاء دور أحدهم لتسجيل براءة اختراعه في ذلك اليوم، كان هذا الشخص هو “أبو فتحي القاووشجي”، تقدم أبو فتحي القاووشجي بأنفه الكبير المعقوف وسترته الرمادية الطويلة ثم وضع أمام الموظف جميع الأوراق والتواقيع المطلوبة لتسجيل اختراعه وحان وقت معاينة اختراعه ووضعه قيد التجربة بعد أن يقوم هذا الموظف بوضع حافره (ختمه) عليه..
Read more…
الحقيقة هي لم تنتهي.. لكنني أردت أن أنهيها.. أنا الكاتب وأنا أملك حرية الاختيار بين جعلها تنتهي أو لا تنتهي.. أستطيع أن أجعلها بنهاية سعيدة أو بنهاية حزينة.. أو أجعل نهايتها مفتوحة، حتى لو جعلت نهايتها مفتوحة سيكون هناك احتمال وارد أن يقوم أحد المعلقين بوضع نهاية مختلفة وسيأتي القارئ الذي يليه عندما يقرأ تعليقه سيظن بأن النهاية هي هكذا.. أو يجب أن تكون هكذا.. إلا أنها ليست كذلك بتاتاً..
Read more…
متعبة هي السماء فوق مدينتي، النجوم المدفونة في أدخنة المصانع تسير فوقها مترهّلة تشي بالموت، عازف الأوكورديون الضرير تحت الجسر المقابل لشقتي يعزف “فيفالدي” ويبيع الهواء للمارّة؛ المارّة الذين لا يعيرونه أدنى انتباه يسيرون بسرعة في خطوط مستقيمة متقاطعة وغير متقاطعة، المطر يزيد من رتابة خطواتهم. وبرودة الهواء يزيد من تشنّج مفاصلهم..
العاشرة شرقاً؛ العازفُ يستدعي أبدية الجحيم ويلوّن مزاج الليل بملحمة من صنع”فاغنر” هذه المرّة، قلقٌ مرمّد يختزلُ الكلام في فمي.. أعدُّ الموتى في تلك الملحمة: واحد.. اثنان.. أربعة.. عشرة.. تسعة عشر.. وستة وعشرون.. يضيق فرحي أكثر وأنا أراهم يسقطون في عيني.. تضجّ موسيقى جنائزية في رأسي “تباً اللعين لا يعرف المهادنة!!”، أغلقُ ستائر عينيّ وأتكوّر على أطرافي في العتمة.. الكائنات المعطوبة تسرقُ الوجوه التي تضجّ على جدران رأسي.
Read more…
عابرون تركوا أثراً