يقول المثل الهندي: (إذا شئنا أن نفهم إنساناً آخر , فإن علينا أن ننتعل حذاءه ونسير فيه مسافة ميل).
وقال أبو حنيفة: (رأيي خطأ ويحتمل الصواب , ورأيك صواب يحتمل الخطأ).
غالباً ما أدخل في نقاشات مع أصحاب المدونات والمدوّنين في المنتديات أيضاً، وينتهي النقاش أحياناً في حالة من النزاع إذ سرعان ما يتحوّل الموضوع قيد النقاش إلى موضوع تحطيم بالآخر لينتهي بصاحب المدونة إلى وضع رأيه في النهاية وغلق باب التعليقات أو حذف التعليقات التي لا تناسب هواه ولا تتسق مع ما يريده.
السؤال الذي يخطر ببالي: إذا كنت – عزيزي المدوّن – ممن يخافون من ظلّهم، ويرتجفون خوفاً من كلمة حق تقال عند سلطان أخرس، أو لا تفهم ماهية (الرأي والرأي الآخر) فما هي الرسالة التي تحملها إذاً؟!!
إذا كنت تريد أن يكون جميع المعلقين في مدوّنتك من المصفقين والمطبلين لك ولا تسمح للآراء المخالفة لك بأن تظهر على لوحة التعليقات فما الفائدة المرجوّة من مدونتك؟!!
فإذا كنت تريد من مدوّنتك أن تحمل نوعاً من المصداقية ألا تظن معي عزيزي المدوّن بأن قبول آراء الآخرين ضمن الحدود المعترفة بها هو خير دليل على مصداقيتك الشخصية؟!!
أما أن تستمرّ في حذف التعليقات التي تناقش النص ولا تناقش صاحبه ولا هويته ولا من أين هو ولا تحمل شتماً ولا مسبة ولا إهانة للأعراف الخلقية والدينية فهو إن دلّ على شيء فهو يدل على إفلاس فكري وثقافي وخلوّ صاحب المدونة من القدرة على الرد على التعليقات بالطريقة المناسبة كونه لا يملك الأدوات المناسبة من جهة ومن جهة أخرى كونه أغلق باب الدخول إلى ذهنيته فالطريق عنده باتجاه واحد لا غير.
نعم.. كثير من المدوّنين يحذفون التعليقات التي تحمل الشتم والتوهين بالكرامة الإنسانية والإخلال بالدين والأخلاق، وهذه غالباً ما أفعلها. أما البعض الآخر فهم لا يدرون ما هي (ثقافة الآخر) وقبول رأيه حتى لو كان مخالفاً، بل يذهب البعض إلى تحويل موضوع النقاش إلى موضوع شخصي، فيبدأون بالتساؤل كنوع من التكسير للطرف الآخر وتوهينه بطريقة سمجة وغبية: وماذا أنت؟ وماذا تفعل أنت؟ ومن أنت لتقول هذا؟!!!
وعندما يأتي الردّ من المعلق الكريم على صاحب المدونة تراه كما معظم الأنظمة الأوتوقراطية يقوم بحذف التعليق بكل صلافة أو يغلق باب التعليقات حتى لا (يوجّع رأسه) بردود لا طائل له بها ولا قدرة له على الرد عليها!! ليفرز بذلك (ثقافة الأنا) كأفضل ما استطاع أن يصل إليه الكتلة التي بين كتفيه، وليبدأ بعد ذلك بإقصاء الآخر ونفيه لتكون الضحية في النهاية هي فكرنا ووعينا الذي لم تتبين ملامحه بعد في هذه المرحلة من الشباب.
هي نصيحة لكل هؤلاء الاتجاه الواحد للتيار لا يغني الفكر شيئاً، وفرض الرأي قسراً على الآخرين تحت ذريعة (هذا فضائي الخاص) هو نوع من العبثية لا يدلّ إلا على الإفلاس الفكري اللهم إلا إذا كتب أحدهم على صفحاتها (هذا فضائي الخاص وهذه أفكاري الخاصة ولا أقبل آراء الآخرين) عندها يعرف القارئ حدّه فلا يعود للقراءة، كما فعل أحد المدونين مؤخراً معي عندما أعلن وبكل صراحة منذ بدء النقاش بأنه (ليس كمنبر الجزيرة) ولذلك هو لا يتقبل آراء الآخرين المعارضة له، وكأن (الجزيرة) – وهي قناة عربية مشكوكة في أمرها عندي لأمور أدركها – أصبحت منبراً للرأي الحر والحوار البناء والاعتراف بالآخر!! متناسياً – صاحب المدونة – بأنه في مقالة سابقة كان يهاجم هذه القنوات بطريقة أخرى.. فلم أعد أعرف حينها هل يناقض نفسه هذا المدوّن أم أنه لا يعرف موقعه من الإعراب..!!!
ثقافة الأنا لا تفضي إلا إلى مزيد من انتهاك الآخر وصولاً إلى تشهيره بغض النظر عن الكراهية التي تحملها تجاه الآخر بمجرد أنه (مختلف) عنا في الرأي أو العقيدة أو الفكر أو… الخ. إضافةً إلى الصبغة العاطفية التي تحملها بعيداً عن التعقل والرؤية الرزينة للأمور.
لا أحمل المدونين الشباب تبعات هذه الثقافة بقدر ما هي مخلفات الثقافة العشوائية للأنظمة الحاكمة التي تسودها ثقافة الأنا, والتي يسعى هؤلاء أنفسهم بالانسلاخ عنها لكنهم بطريقة أو بأخرى يعودون في الغوص بها عميقاً من حيث لا يدرون.
لكي نستطيع أن نؤثر كمدوّنين فإننا نحتاج أن نفتح صدورنا للآخرين نسمعهم قبل أن نصفهم بالمتآمرين والخونة وضعاف العقول ومحدودي التفكير، ثم الابتعاد عن تحويل الموضوع قيد النقاش إلى نوع من الشخصنة الذاتية ليبدأ بعدها الحوار بالهبوط إلى دركٍ خفيض!! متناسين أن (حياة الأنا) ليست مرهونة بـ(إبادة الآخر) بل مرهونة بـ(حياة الآخر) ووجوده.
Read more…
عابرون تركوا أثراً