الشيء
كان ذلك في خريف العام ألف وتسعمئة وكذا.. أحضره المختار وأفسح له مكاناً أمام بوابة بيته والذي كان جزءاً منه مكتب لإدارة شؤون القرية.. كان الصغار يعبثون به ريثما ينهي آبائهم عملهم في مكتب المختار.. يرمون له ببقايا الطعام وبقايا الأشياء الصغيرة.. وكان الشيء يلتهمها بسعادة..
قيل أن المختار أحضره من المدينة.. البعض قال إنه لقيط.. يتيم.. ضائع.. آخرون قالوا إنه نتاج سفاح غير شرعي بين المختار وإحدى بغايا المدينة.. الشيخ أبو فتحي نهرنا عن الحديث عن أصل الشيء في المقهى لما سيترتب علينا من خطايا بسبب ذلك على حد تعبيره.. لذلك ومع الوقت لم نعد نتحدث عن أصل ذلك الشيء.. فيما بعد لم نعد نجرؤ!!
بعد مضي الزمن الثاني كان الشيء قد كبر كثيراً وبسرعة كبيرة وغير طبيعية.. وأخذ يحتلّ قسماً كبيراً من بوابة المختار. قرر المختار أن يضعه في منتصف ساحة القرية، وبالفعل تم نقله إلى منتصف الساحة.
كان الجميع يمرّون عبر الساحة وكان الشيء يرمق الجميع بعينٍ واحدة متوثّبة، يأكل ما يُرمى إليه دون توقف، وينتظر المزيد متأهباً.. كبر الشيء بسرعة مذهلة مع الوقت.. وبعد مضي الزمن الثالث، كان قد احتل الساحة بأكملها.. تثاءب الناس في البداية.. فيما بعد اشتكوا إلى المختار لضخامة الشيء وإغلاقه للساحة.. بعد فترة من الضغط قرر المختار الرضوخ لإرادة سكان القرية واجتمع ببعضهم لنقل الشيء من مكانه إلى خارج القرية.. لكنهم لم ينقلوه. بكل بساطة لأنهم لم يستطيعوا!!
في يوم العطلة – وكل أيامنا كذلك – اجتمع كل رجال القرية ونسائها ولكن عبثاً.. لم يستطيعوا تحريك الشيء قيد أنملة.. كان الشيء قد غرس جذوره عميقاً في ساحة القرية وارتفع في السماء عالياً.. وامتدّ على الأرض لمسافات.. أصبح الآن يأكل كل شيء في طريقه.. كان يسرق الطعام من البيوت المجاورة للساحة.. من على رؤوس النساء.. ومن على ظهور البغال.. وصال زوجة أبي يوسف قالت إنها رأت جذور الشيء خرجت من حقلهم في الصيف الماضي.. لكن لم يصدقها أحد بطبيعة الحال.. فالحقل خارج حدود القرية.
بعد مرور الزمن الخامس كان الشيء قد توسّع في أزرقة وطرقات القرية حيث أصبح التنقل بين بيوت القرية متعباً لضيق الطريق.. وفي ليلة وضحاها امتدّ الشيء إلى كل أزقة القرية وطرقاتها وأشجارها حتى حانوت العم صالح في فم الوادي كان قد أحيط به.. في الصباح كان قد أحاط بالقرية من كل جانب.. بل امتد أيضاً في اليوم التالي إلى حقول القرية ومزارعها وجبالها والوديان المجاورة.. كان موقفاً مخيفاً جداً.. لم يكن أحد يعرف ماذا يفعل.. بعد فترة كان ذلك الشيء قد بدأ بالتسلق على جدران البيوت عند ذلك بدأ بعض الأشخاص بالاختفاء..!!
بالطبع كان الشيء قد بدأ بالتهام المزارعين.. هاجت الناس وماجت وضاجت وثارت.. واجتمعوا بالمختار.. لكن المختار طردهم من بيته.. فقرّر شباب القرية التخلّص من الشيء بأنفسهم.. أشعلوا ناراً ضخمة من كل جهات القرية واتجهوا إلى الشيء.. لكن للأسف لم يحترق الشيء بل التهم النار أيضاً.. والتهم معظم شباب القرية.. ومن فرّ من تلك المجزرة لم يجرؤ على الحديث أبداً فيما بعد عما حدث في تلك الليلة.
حاول البعض الفرار من القرية لكن الشيء كان قد امتدّ بعيداً فكان كل من يهرب من القرية لا يسمع عنه أحد.. كان الشيء يقوم بالتهامه على مشارف القرية.. لم يعد أحد يجرؤ على الخروج من القرية بل حتى لم يعد أحد يجرؤ على الخروج من بيته.
أما الشيء فقد تضخم والتهم الحقول والأشجار والكلاب والبغال وكل شيء أخضر أو يابس.. التهم الحجر والبشر والماء والسماء.. لم نعد نسمع نباح الكلاب ولا نهيق الحمير ولم نعد نرى الشمس في النهار ولا النجوم في الليل.. لم نعد نعرف الشتاء من الصيف.. كان الشيء قد كتم حتى على الهواء فأصبح التنفس عملية متعبة للغاية..
لكن مع الوقت قلّ عدد سكان القرية.. وكان الشيء يعلم تماماً ماذا سيحدث له إذا انتهى الجميع.. فقريباً جداً ستنتهي مؤونته من البشر والحجر..
وفي صباح أحد الأيام فوجئنا بصوت المختار يدعونا للخروج.. كان الشيء قد انسحب من الحقول والمزارع وتوسط الساحة على الأرض فقط بينما بقيت جذوره منتشرة تحت الأرض لمسافات عميقة وبعيدة.. وشهق رأسه في السماء يحجب الشمس والقمر.. كان الشيء قد توصّل إلى إتفاق مع والده الشرعي “المختار” بأن يبقى في الساحة والسماء وتحت الأرض وأن يتوقف عن التهام الناس وبالمقابل يقوم الناس بالعمل جاهدين بإعطاءه ما نسبته خمسئة في المئة من نتاج حقولهم ومزارعهم.. وكانت تلك النسبة على حد تعبير المختار نسبة ضئيلة وهزيلة و”عادلة” مقابل حياة البشر!!
فرح سكان القرية البسطاء وعادوا إلى عملهم وحقولهم يعملون بجد.. تزوجوا وأنجبوا وتزوجوا مرة أخرى وأنجبوا أيضاً.. وكان الشيء يتضخم ويكبر في السماء وتحت الأرض بهدوء، يلتهم سذاجة الناس ويأكل خوفهم ويعتاش على غبائهم.. وكان كل من يرفض من أولئك المغفلين أن يعطيه الخمسة في المئة كان الشيء “…”.. حسناً سأترك ذلك لمخيلتك..
وعاش أهل القرية في تعاسة وشقاء بعد ذلك.. فرحين بأن حياتهم أصبح لها ثمن.
في قصة مشابهة بأن أرستقراطياً ثرياً اشترى قرية بأكملها بأرضها وسمائها وبشرها وحجرها.. حسناً تلك القصة لا شأن لها بهذه.. سأخبركم بها في تدوينة قادمة.. وكنت أتساءل.. لماذا يجب علي أن أخبركم بها طالما لن تقرأوها.. حسناً لن أخبركم بها..!!
مواضيع ذات صلة:


بما أنك ذكرتها فعليك أن تخبرنا بها….
كتاباتك جميلة جداً، وأفكارك إبداعية ورائعة…
موفق إن شاء الله
لا تموت حبة القمح يا صديقي..
عندما أعود و أرى غزارة ما تكتبه بعد انقطاع,و انظر بتفاؤل لداخلي و داخل كل من تنسّم الحرية فأرى الحياة…عندها نصنع لأنفسنا ثمنا فعلا…إنه يؤخذ و لا يعطى…
تحية لكل الشامخين…و لك بعد غياب.
نايثن!!!! لازم تحكيلنا قصه الارستقراطي الثري!!
رجاءً = )
can’t wait to read more!!!
@MustafaHH
شكراً للإطراء..
تقديري
@جواد
وأنت متفاءل بوجودك بالجوار..
تفائلوا بالخير تجدوه
تحياتي يا صديقي..
@ tamara
..
بالطبع بحكيلك إياها.. بس تخلص هالأنفلونزا اللعينة المتمسكة فيني بشكل غير طبيعي..
ما بتذكر إنو إحدى صديقاتي السابقات تمسكت فيني قد مو متمسكة فيني هالأنفلونزا..
بنت الجيران ذات السبع سنوات قالت هي اسمها: “أنفلونزا البلادة” وهي حالة مستشرية في البلاد مؤخراً، الحقيقة ما خفت من حديثها.. بس خفت أنو يكون المرض عضال ويستمر لما بعد فصل الشتاء
اووووه!! سلامتك سلامتك!!
… ادفى منيح بس مو زيادة عن اللزوم!! انشاء اله تخف و يرجعلنا الفنان بمدونه جديدة ! 
for now…
انت بس دير بالك عحالك!
تدوينه جميله كعادتك ..
وانا في انتظار قصه الارستقراطي ..
مع تمنياتي لك بالشفاء العاجل ..
دمت بخير عزيزي.
جميلة قوي القصة دي
بحسها انه احنا اهل القرية بس الشئ ده مش عارفة استنتج هو ايه بالظبط
بعدين مين قالك اننا مش هنقرا قصة الثري!!! غريب انت يا نايثن اكتب انت بس القصة وملكش دعوة اذا كنا قريناها او لا
هذه نقلة نوعية في كتاباتك يا ناثان.
كانت وجبة ممتعة، وأجمل ما فيها خاتمتها.
Two thumbs up.
لك أقرأ …، جئت فقط لأسألك
كيفك ؟؟؟؟؟
رائع قراتها على الفيس بوك .. وسالت عن صاحب الكتابات وهنا عرفته .
بالتوفيق
كتاب ممتاز وكلام رائع جدا شكرا لك على المقال والمدونة الرائعة بالتوفيق …
رائعة. هذه هي أول زيارة لمدونتك وهي المرة الأولى التي أقرأ فيها قصة قصيرة باللغة العربية ليست محملة بمعاني كثيرة ممتزجة تبذل الجهد في قراءتها لتفضها. رائعة وبسيطة وجميلة.