الانتظار..

يونيو 8th, 2010 Leave a comment Go to comments

لا أعرف كيف بدأ الأمر.. كل ما أذكره أنني خرجتُ ذات يوم إلى الشارع.. رأيت بعض الناس وقوفاً يرمقون السماء.. لم أعرهم اهتماماً، كان عددهم قليلاً لكن شيئاً فشيئاً بدأ عددهم بالازدياد..

مع مرور الوقت أصبح كل من في المدينة يرمق السماء.. مئات بل آلاف الناس في الشوارع والساحات والبيوت والأسطح وقفوا بجثثهم المنهكة يتطلعون إلى السماء بأعينٍ فارغة. الصبيان أيضاً وقفوا على أسطح الأبنية التي شهقت على طرفي الشوارع ينظرون إلى السماء بعيونهم المستديرة..
لم يعد الرجال يذهبون إلى العمل، ولم تعد النساء يمارسن الجنس مع أزواجهن، ولم يعد هناك أعياد ولا مناسبات ليحتفل بها.. الأطفال توقفوا عن الذهاب إلى المدارس.. توقفت نشرات الأخبار المتكررة واختفت وجوه المذيعات القبيحات عن الشاشة.. وقف الجميع ينظر إلى السماء في الصباح والمساء وبعد الظهر وأيام الجمع والآحاد..

كل يوم كان الصباح يولد كأنثى يانعة ما تلبث أن تتشظّى على ملامحهم الباردة وعيونهم المنطفئة، وكان الصمت يغتصبُ الظلال العاثرة ولا شيء يجرؤ على اختراق حصار الصمت..

..

..

..

مضت ألف سنة ونحن ما زلنا نرقب السماء.. البعض مات وقوفاً.. زحف الموت إليهم بخطى حقيرة.. تصاعدت أرواحهم من أفواههم الطينية وتشققت جلودهم.. وكلما سقط أحدهم تكدّس الآخرون فيه.

البعض الآخر منا ما زال يراقب السماء وينتظر.. الجمود المترامي النهايات أضحى يصلب الوقت على أعناقنا المتيبسة ويقوّض أطرافنا المتجمدة عن الحركة..

ذات يوم خرج طفلٌ من الزقاق وصرخ: “ربما تخلى عنا”؟!!! شهقت أمه وصفعته على فمه.. نَهَرَ الجميع أمه لسوء تربيتها.. صمت الصغير واستمر بمراقبة السماء.

ذو البدلة البنية احتشد بالبذاءة تجاه الصغير ثم قال: “ربما يجب أن نقدم قرباناً..”!! وافقه الجميع.. “قربان.. قربان..”..

ثم بدأنا نقدم قرابين كثيرة منا.. ومع كل قربان كانت السماء تنزلق قليلاً في تجاويف أرواحنا الكئيبة، وكانت عيوننا تتغرغر وتسافر لذات الجهة..

..

..

..

مضت ألف سنة أخرى.. وخرج ذات الطفل مرة أخرى وأخذ يشد بجلباب أمه.. ثم سأل: “ماذا ننتظر؟!!”..

التفت الجميع إليه بدهشة.. ثم عمّت موجة كبيرة من الهمهمة وأصبح الجميع يتساءل: “ماذا ننتظر.. ماذا ننتظر؟!!” وتساءلوا مع بعضهم البعض “ماذا ننتظر؟!!.. ماذا ننتظر؟!!” لكن لم يكن أحد يحمل الإجابة..

بعد فترة توقفت الهمهمة وعاد الصمت يجثم على رؤوسنا وعدنا نراقب السماء وننتظر..

Share

مواضيع ذات صلة:

  1. إليك.. أيها المنتصب في الغروب..
  2. الجثّة..
  3. ثرثرة-2
  4. ثرثرة – 4

  1. يونيو 8th, 2010 at 21:34 | #1

    sound’s creepy :)

  2. ironmask
    يونيو 8th, 2010 at 21:49 | #2

    حلوة كتير، تذكرني بقصة القطة السوداء لعزيز نيسين :)

  3. MustafaHH
    يونيو 9th, 2010 at 01:43 | #3

    فعلاً، ما زلنا ننتظر…
    لكن ماذا ننتظر؟!

  4. محمد خير الحريري
    يونيو 9th, 2010 at 04:13 | #4

    ربما …
    تخلى عنا

    ،

    وَ … ؟

  5. Faten
    يونيو 9th, 2010 at 04:15 | #5

    وأنا اقرؤها تخيلت المشاهد امامي.. جميلة جدا

  6. zahraa
    يونيو 10th, 2010 at 01:56 | #6

    دي حكمة ربنا …………….. الصبر
    افرجها من عندك يا باسط

  7. ميره
    يونيو 10th, 2010 at 15:21 | #7

    لا أصعب ولا أقسى من اللإنتظار، ولا شئ يمكنه أن يجعلنا نراوح مكاننا كالانتظار، فلا نتقدم ولا نتطور ولا نسعد في حياتنا، ويمضي العمر ونحن نتساءل ماذا ننتظر….ولماذا ننتظر..؟؟!!

  8. يونيو 12th, 2010 at 04:53 | #8

    ولكن هل من أحدٍ هناك ؟!!

    ما في حدا لا تندهي ما في حدا ..

  9. صموئيل بيكيت
    يونيو 14th, 2010 at 14:16 | #9

    إنه القحط
    قحط الروح
    وصحراء الانسانية

  10. يونيو 14th, 2010 at 19:41 | #10

    انتظارنا ( كطعم اللوز ) إلا أنه ( شهيٌّ )

    ودٌّ

  11. هنادي
    يونيو 15th, 2010 at 03:56 | #11

    عم ننتظر السماء
    بس المهم شو رح تعطينا السماء
    او كيف رح يكون العطاء

    هنادي

  12. Jad
    يونيو 15th, 2010 at 11:13 | #12

    الانتظار يخلق الشيء
    و الشيء يحدث المفاجأة
    والمفاجأة غالباً ما تكون سراب
    دعهم ينتظرون !

  13. Malek al tawil
    يونيو 16th, 2010 at 01:55 | #13

    ربما فعلاً تخلى عنا .. هذا ما أشعر به من ألف سنة .. و اليوم بشكل أعمق

  14. يونيو 18th, 2010 at 06:36 | #14

    بعد أن أنهيت القراءة المرة الأولى, شعرت أنك تتحدث عن إنتظار شيء أكبر من كل الأشياء الأخرى التي ننتظرها, وعن تشكيك في أهمية أو وجود شيء أهم بكثير من أن يوصف بشيء. وأيضاً أن لديك نظرة غربية (للصبايا) ولاتعلم تماماً كيف تجعل وجودهن أكثر منطيقة بالنسبة إليك وأين تكون وظيفتهن وموقعهن في عالمك :P

    ولكن بكل جدية, مقروء مثير للإهتمام يستغرق من الإنسان التوقف قليلاً لتفسير معانيه وإن كان يحتوي على غموض أو هو فقط مباشر وواضح, والجميل فيه أن كل قارئ يفسر ماتقصده وقد تختلف التفسيرات بشكل دراماتيكي! ككل كتاباتك المعتادة.

    وربما الإنتظار لايجب أن يكون خياراً وربما ما ننتظره لا يطالبنا الإنتظار, وربما أيضاً نحن نشعر بالأمان في الانتظار وألفنا النظر إلى السماء كما يفعل الجميع!

  15. BlackM
    يونيو 21st, 2010 at 17:35 | #15

    هل هذا من كتاب او فلم أو من أين ؟؟؟؟

    نسيت نفسي وانا اقرأ حسيت انه شي كبير فعلا

    مااروع اللانامل

  16. جوري
    يونيو 25th, 2010 at 07:14 | #16

    يجب أن نحدق حتى نصل الى ذروة الانتشاء تحت السماء…حتى نمارس العقم الفكري الفاضح…حتى نكون سبايا عشق المنتظر…

    حتى نقف على خط غرينتش للزمن الوهمي ونتزلزل على سلم ريشتر لقياس هزات الأحلام…

    حتى ننام بين أحضان بغايا المجون الكتابي…ونكون عبيد ممارسي السادية فوق جثمان العقلاء…

    من تعلقت عيناه بالسماء في شغف الانتظار…هنيئا لك الموت قبل الحياة

    ومن اختار أن يكون طفلا يبحث عن الحقيقة بين خاصرة الأفكار وأرداف الحكمة على فراش الادراك…هنيئا لك عشقك المحرم وفلذات كبدك من الخواطر والتساؤلات…

    مداد…لا تضاجع…ولا تشخص ببصرك…كن مداد فقط فهذا يكفيك

    دمت على روعتك

  17. زكريا
    يونيو 27th, 2010 at 06:55 | #17

    ربما كانت السماء تنظر الينا ايضا وتنتظر شيئا ما !!لا بد من ريح حتى يتحرك السحاب ولا بد من برق حتى يمطر ذاك السحاب

  18. anas
    أغسطس 24th, 2010 at 09:32 | #18

    يعني شو عم ننتظر ؟
    مبينة وواضحة متل عين الشمس

    بيجوز كل معاناتك ، هي رسالة إلك ، مشان تدرك شي ،

  1. يونيو 8th, 2010 at 21:56 | #1