براءة اختراع
حدثت هذه القصة في الشهر الماضي أو ربما في العام 1986 لم أعد أذكر بالضبط، عندما كانت البلاد ترفل بالمخترعين والعباقرة، كان ذلك اليوم سيكون يوماً روتينياً جداً لموظف تسجيل براءات الاختراع في “وزارة المخترعين المحليين”، كان قد سجل في ذلك اليوم تسعة عشر اختراعاً مختلفاً. أذكر أن إحدى الاختراعات كانت عبارة عن “تواليت إفرنجي أوتوماتيكي” يقوم أوتوماتيكياً بغسل وتنظيف الـ؟؟؟ بعد الانتهاء من عملية الـ؟؟؟؟.
اختراع آخر كان عبارة عن جهاز يوضع على الفم كلما حاول صاحبه أن يتحدث بصوتٍ عال يقوم بخفض صوته وأحياناً يكتمه تبعاً لنوع الكلمات التي ستصدر منه، وقد لاقى هذا الجهاز استحساناً كبيراً وقام الموظف على الفور بتسجيله وتحويله إلى مصانع دائرة المخابرات والشرطة والأمن القومي ليتم صنع واحد مثله لكل مواطن.. مجاناً.. وتم تكريم صاحبه في ذلك اليوم بمبلغ كبير..
هكذا كانت تجري الأمور في “وزارة المخترعين المحليين” بشكلٍ يومي، إلى أن جاء دور أحدهم لتسجيل براءة اختراعه في ذلك اليوم، كان هذا الشخص هو “أبو فتحي القاووشجي”، تقدم أبو فتحي القاووشجي بأنفه الكبير المعقوف وسترته الرمادية الطويلة ثم وضع أمام الموظف جميع الأوراق والتواقيع المطلوبة لتسجيل اختراعه وحان وقت معاينة اختراعه ووضعه قيد التجربة بعد أن يقوم هذا الموظف بوضع حافره (ختمه) عليه..
نظر إليه الموظف وقد أخفض نظارته السميكة قليلاً وسأل أبو فتحي: أعطني فكرة مختصرة عن اختراعك؟!!
أجاب أبو فتحي القاووشجي بكل ثقة: اختراعي فريد جداً من نوعه، هذا الجهاز يتعرّف على الجواسيس وأعداء الوطن والأمة بمجرد أن تقوم بتوجيهه إلى أي شخص يقوم بتحليل شخصية ذلك الشخص ضمن معادلات حسابية دقيقة ومعقدة جداً ثم يقوم بإطلاق صفير مرتفع إن ثبت أنه عدوٌ للوطن.
ضحك موظف تسجيل براءات الاختراع حتى فاحت رائحة نتنة في المكان، ثم قال باستهزاء: هل تعتقد بأنه يمكن اختراع هكذا شيء؟!!
رد أبو فتحي القاووشجي محتداً: نعم، اختراعي هذا مضمون ومجرب مئة بالمئة..
وافق الموظف على مضض بعد أن رأى إصرار أبو فتحي وأرسله إلى غرفة التجربة؛ في تلك الغرفة قام الموظف بتوجيه الجهاز إلى أبو فتحي القاووشجي نفسه لكن الجهاز لم يطلق أي صفير. أرسل الموظف إلى أمانة السجن المجاورة لـ”يستعير” سجيناً للتجربة.. وبالفعل أحضروا سجيناً مُداناً بالجاسوسية والتواطؤ مع الأعداء ضد الوطن ووجهوا الجهاز إليه فأطلق صفيراً مرتفعاً.
هنا بهتُ الموظف وطلب من رئيس القسم أن يحضر فوراً ليرى هذا الاختراع العجيب، وحضر رئيس القسم ورؤساء بقية الأقسام حتى أن رئيس المديرية كلها حضر ليُشاهد الاختراع، وتمّت تجربة الاختراع على عدّة مساجين مُدانين ومُواطنين من الشارع وأثبت الاختراع بالفعل بأنه يعمل مئة بالمئة..
في اليوم التالي تم عرض الاختراع على “هيئة العلماء والمفكرين” في البلاد وتمّ استدعاء الكثير من العلماء والمخترعين من أنحاء البلاد أيضاً وقاموا بفحص الجهاز وأكدوا على أن هذا الاختراع يعمل بكلّ كفاءة وهو أفضل اختراع تم اختراعه من قبل أي شخص في العالم كله.. وذاع صيت ذلك الجهاز في جميع أنحاء البلاد شرقاً وغرباً جنوباً وشمالاً كالنار في الهشيم.. وتم وضع حراسة مشددة عليه حتى لا يتمّ سرقته بعد أن ذاعت شهرته.
أما أبو فتحي القاووشجي فقد شُوهد على التلفاز في مقابلات كثيرة وهو يتحدّث عن اختراعه، أذكر أنهم عرضوه في برنامج “صباح الخير” وبرنامج “مساء الليل” وبرنامج “ما يطلبه الجمهور” و”أرضنا الخضراء”، وحتى في “برامج الأطفال” تم عرضه.. ولا أنسى أيضاً برنامج “الشرطة في خدمة الشعب” وقد تم إعفاءه من قول “يا سيدي” للمذيع في ذلك الوقت وكانت تلك سابقة لا عهد لنا بها.. ونشرت صوره على صدر الصحف الرسمية وشبه الرسمية وغلاف المجلات العلمية ومجلات التسالي وحتى المجلات الخلاعية.. حتى قررت الحكومة أن تعرض الجهاز في جلسة “مجلس الشعب” القادمة ليتم مكافأة أبو فتحي القاووشجي رسمياً.. وقد أعلن رئيس البلاد بأنه سيحضر هذا الاجتماع تبعه في الإعلان وزراء كثر أبدوا رغبتهم في الحضور تزلفاً وتملقاً ونفاقاً للرئيس.. وأعلنت الحكومة بأن هذه المناسبة يجب أن يتم نقلها على التلفزيون المحلي والقنوات الفضائية حتى يشاهد العالم كله قدرة شعبنا على الاختراع والتطوير.
في ذلك اليوم كان مبنى مجلس الشعب محتشداً بأركان الحكومة كلها، من أصغر حاجب في بناء “وزارة المغتربين الهاربين” مروراً برئيس الوزراء انتهاءً برئيس الدولة نفسه.. أما الشوارع المحيطة فكانت مكتظّة بأمواج من البشر لأميال وأميال، لا تستطيع حتى أن ترى نهاية الطوفان البشري المحيط بالشوارع المؤدية إلى مجلس الشعب، وكانت أجهزة الإعلام المحلية والعالمية والشاشات الضخمة قد ملأت الأماكن كلها.. الخلاصة كان ذلك اليوم مثل يوم الحشر تماماً.
بعد أن استقرّ الجميع في القاعة الضخمة لـ”مجلس الشعب” واستوى السيد الرئيس على كرسيه ، حضر أبو فتحي القاووشجي وتم وضع الاختراع أمامه بمساعدة الموظف المسؤول عن براءات الاختراع السابق، وبالطبع كان هناك طابور من المساجين المدانين بالجرم المشهود ليتم تجربة الاختراع عليهم، وبالفعل كان الجهاز يطلق صفيراً مختلفاً في كل مرة يتم وضع أحد المدانين أمامه حيث كان حدة الصفير ترتفع وتنخفض حسب المجرم المُدان ودرجة عِداءه للوطن.. وتمّ استدعاء بضعة مواطنين من الشارع وتم تجربة الجهاز عليهم ولم يُسمع أي صفير.
كان كلّ شيء سيسير بشكل طبيعي جداً وكان المستقبل سيكون مشرقاً جداً وكنا نأمل أن تشتري دول العالم هذا الاختراع ليتم تحقيق الرخاء الاقتصادي الذي كان رئيس الدولة يعدنا به منذ أربعة عشر سنة حتى الآن.. إلا أن الرياح لا تجري كما تشتهي السفن، إذ اقترح أحد الصحفيين الأجانب أن يقوم أبو فتحي القاووشجي بتوجيه الجهاز إلى الموظف المسؤول بقسم تسجيل براءات الاختراعات والذي كان يساعده في عمله، فقام الموظف فخوراً بالوقوف أمام الجهاز وقام أبو فتحي بتوجيه الجهاز إليه إلا أن الجهاز أطلق صفيراً حاداً.. مما جعل الجميع في القاعة يهمهم بأن هذا الموظف لابدّ أنه يكنّ العداء للدولة والحكومة.
وما هي إلا لحظات حتى جاء ثمانية رجال مخابرات من أماكن مختلفة من القاعة وألقوا القبض على الموظف وجرجروه ذليلاً أمام أنظار العالم كله من حاضرين في القاعة وأولئك الذين في الشارع عبر الشاشات وأولئك الذين يجلسون في بيوتهم وأيضاً عبر العالم كله..
هنا ابتسم رئيس الوزراء قائلاً: “ما عنا حدا على راسه ريشة” أي بما معناه أننا لا نستثني أحداً من القانون مهما كان فالقانون فوق كل شيء، وصفق الجميع بحرارة وابتسم رئيس الدولة وغمز رئيس الوزراء بفرح..
إلا أن ذلك الصحفي الأجنبي قليل الناموس لم يكفّ عن التدخل وطلب أن يتم توجيه الجهاز إلى بعض أعضاء مجلس الشعب، وبالفعل تم توجيه الجهاز إلى بعض أعضاء مجلس الشعب الواحد تلو الآخر وكان كلّما تم توجيهه إلى أحدهم يطلق صفيراً حاداً، ثم يخرج أربعة رجال من مكان ما ويقومون باقتياد ذلك الشخص إلى مكان مجهول..!!
بدأ عدد أعضاء مجلس الشعب يقلّ شيئاً فشيئاً وبدا الارتباك واضحاً على رئاسة مجلس الوزراء ورغم أن الجو شتائي بارد إلا أن قطرات العرق كانت تتساقط من رئيس الوزراء ورئيس البلاد معاً بتناغم غريب.. وكل ذلك كان يُنقل على الهواء مباشرةً للعالم بأسره..
أما أبو فتحي القاووشجي كان مرتبكاً جداً لا يعرف ماذا يفعل، وبين الفترة والأخرى كان يوجه الجهاز إلى نفسه ليتأكد بأنه لا عطل في الجهاز.. ثم توقفت الجلسة لعشرين دقيقة بداعي الاستراحة.
بعد الاستراحة عاد الجميع الى مقاعدهم أو ما تبقى منهم، ومرة أخرى تدخل ذلك الصحفي الأجنبي لعن الله روحه وطلب أن يتم توجيه الجهاز إلى رئيس الوزراء ورئيس البلاد معاً، هنا ضجت قاعة المجلس بالهمهمة والتمتمة وبدأ الناس بالصراخ في الشوارع وانشدّ المشاهدين في أنحاء العالم نحو شاشة التلفاز.. إلا أن الرئيس ابتسم بكل ثقة وطلب من رئيس وزراءه أن يقف أمام الجهاز.
وقف رئيس الوزراء أمام الجهاز مرتعداً وأغمض أبو فتحي عينيه وضغط الزر وأطلق الجهاز صفيراً قوياً لدرجة بأن جميع من في القاعة اضطروا لإغلاق آذانهم من شدة الصوت. بهت رئيس الوزراء وامتقع لونه بشدّة حتى أن قطرات العرق قد جفت في وجهه، وازرقّت شفتاه وجحظت عيناه.. وهنا أمر الرئيس بإلقاء القبض عليه، وتم إلقاء القبض عليه وأخذه إلى المكان المجهول نفسه.
بعد ذلك طلب السيد الرئيس بأن تنتهي الجلسة بشكلٍ غير متوقع، كان وجه السيد الرئيس شاحباً وممتقعاً وشفته السفلى متدلية بشكل غريب، لكن كانت الخطوة الأخيرة في هذه المناسبة هي أن يقوم السيد الرئيس بنفسه بوضع يده على الجهاز ليتم إعلانه جهازاً وطنياً بشكل رسمي وكان واضحاً بأنه لا مهرب له من هذه الخطوة أمام كل هذا الحضور العالمي، لكن بمجرد أن اقترب من الجهاز حتى أطلق الجهاز صفيراً مروّعاً لم يُسمع له مثيل.. قيل بأن بعض الحاضرين قد ثقبت طبلة أذنه في ذلك اليوم، وبأن بعض الكاميرات قد تحطمت عدساتها.. وقف الجميع كحرف الألف في القاعة مشدوهين غير مصدقين وذهل الجميع في البلاد وهاجت وماجت الجماهير في الخارج.. وكنا قاب قوسين من انقلاب ما أو أدنى.. أو هكذا ظننتُ وقتها!!
تم قطع الإرسال التلفزيوني فوراً بعد ذلك، وتم طرد الصحفيين الأجانب على الفور، وانتشرت قوات الأمن في جميع الأماكن والدهاليز والزراريب والأزقة وحتى في مجاري المياه وقد تنكروا بأشكال مختلفة، حتى أنني سمعتُ بأن الكلاب التي كانت تسير في قريتنا في ساعة متأخرة من الليل ما هم إلا رجال مخابرات لكنهم متنكرون على هيئة كلب..!!
المهم.. بعد ذلك اليوم الذي كان يشبه يوم الحشر، ألقت الحكومة القبض على “هيئة العلماء والمفكرين” وجميع العلماء الذين أكدوا على صحة ذلك الاختراع وكل الموقعين على الأوراق الرسمية لتسجيل ذلك الاختراع بمن فيهم ذلك الموظف المسؤول عن تسجيل براءات الاختراع، وأجبرتهم على كتابة تقرير مفصل عن ذلك الاختراع مفاده بأن: “الجهاز لا يطلق صفيراً عندما يكون الشخص الذي أمامه معادياً للوطن، ويقوم بإطلاق الصفير عندما يكون الشخص الذي أمامه يعمل خالصاً للوطن”!!.. وقامت الحكومة بهدم بناء (وزارة المخترعين المحليين) ولم يعد هناك وزارة للمخترعين ولا حتى زريبة.. وزجت جميع المخترعين في البلاد خلف القضبان حتى مخترع التواليت الإفرنجي الأوتوماتيكي الذي تحدثت عنه في البداية لاشتباهه بالمساس بـ”الأمن الوطني” من خلال اختراعه السابق. رغم أنه كان يصرخ عندما تم جرّه أمام جيرانه بأنه لا يفهم العلاقة بين الـ؟؟؟؟؟ والأمن القومي!!!.. ما عدا مخترع الجهاز الكاتم للصوت لم يتم إلقاء القبض عليه بل تمت ترقيته وأصبح رئيساً للمخابرات العامة فيما بعد..
وهكذا وبين ليلة وضحاها انقلب كل شيء.. وقامت الحكومة بعد ذلك بإخراج المجرمين وقطاع الطرق واللصوص والحرامية من السجون وقامت بإلقاء القبض على المواطنين الذين ثبت بأن الجهاز لم “يصفّر” أمامهم.. وكان معظم أبناء الشعب متهماً فبمجرد أن يقوم أحد بكتابة تقرير ضد شخص ما حتى يتم تعريضه على الجهاز فإذا صفّر فسيطلق سراحه وإن لم يقم الجهاز بالتصفير يتم إلقاء القبض عليه فوراً وغالباً ما كان الجهاز يُصاب بالخرس.. وكان اللصوص أو يجب أن أقول (اللصوص السابقين) الخارجين من السجن بفضل ذلك الجهاز في كل مكان ويتكاثرون بكثرة في الشتاء وقد سمعت بأنهم تبوّأوا مناصب قيادية في الحكومة.
أما أبو فتحي القاووشجي فقد شوهد آخر مرة عبر شاشات التلفاز في مجلس الشعب في ذلك اليوم الذي أشبه ما كان بيوم الحشر..
وكان ذلك اليوم الذي جاء فيه أبو فتحي القاووشجي إلى مبنى “وزارة المخترعين المحليين” سيكون يوماً عادياً جداً بالنسبة لموظف تسجيل براءات الاختراع ولنا كمواطنين عاديين لولا أن ظهر أبو فتحي القاووشجي.. وها أنذا الآن أكتب تقريراً بزوجتي لأنني أرغب بالزواج من أخرى.
مواضيع ذات صلة:


انافطست من الضحك وانا بقرأ البوست ده
بس لما قريت اخر جملة هزيت راسي(كأني بفوق نفسي)….كل حاجة اتلخبطت في نافوخي D: D:
قصة لذيذه وجميلة جدااااااا ودمها خفيف اوي اوي . ممتازة فعلا وربنا يستر ليجربو الجهاز علينا لانه مش هيصفر ( استر يا رب )
بوست رائع و دقيق
تحية
أضحكتني وأنا على وضوء
هل تحاول أن تختلق 1984 عربية؟
لا حاجة لك بلفة طويلة لتشير باصبع الاتهام لأحدهم، لا حاجة لـ 1984 أخرى.. ولعلمك، لا نكهة الآن لكلام التقريع والتعنيف، والسباب.. أحسك بدوياً يركب جملاً وبيده سيفاً يقارع السراب، لأن السراب ببساطة أخفى عنه الطريق.
أين أفكارك الصغيرة التي تحدث دوياً مسموعاً من بعيد.. أفكار لا تتعلق بما اجتررناه لعقود مع عبد الرحمن منيف، ومظفر النواب، وكل دعاة التغيير الفاشل .. فليسمُ هدفنا نحو بناء الإنسان، أكثر منه نحو الثورة..
مع قبلاتي.. إلى أسمى وزهرا وجفرا، وسمرا وخضرا، وسعيد صالح.
@Asma
أسعدني أنها أعجبتك..
شكراً لك ولمرورك الدائم بهذه المدونة..
@zahraa
انت متأكدة أنه “مش حيصفر”؟!! : )
@jafra78
أهلاً بك دائماً.. لك تحية مثلها..
@ضياء
ايييه يا صديقي ربما وضعت يدك على الجرح تماماً..
في النص الساخر لا يكفي أن تكون المادة المكتوبة بطابعٍ ساخر حتى يتم تقييم المادة ضمن قالبٍ غائيٍّ ساخر غالباً، إذ يجب على القارئ أن يحمل عنده حس القراءة الساخرة حتى يقترب من الاستعارات المضمونة في النص.. على الرغم من أن بعض النصوص الواردة في هذه المدوّنة لا تعني بالضرورة أن تحمل رسالة ما، فقد تكون ممارسة للغة فقط.
لو أردتُ أن أوجه إصبع الاتهام لأحد لوجهته لمواطن الشارع الذي تطحنه مشاعر العجز والدونية ويعيش على هامش الحياة التي غدت عنده أكبر من الحياة نفسها، مواطن يحيا في عالم اللامعقول، يطمئن للخرافة ويفتقر للموضوعية.. تراه إما أن يكون يصارع السراب -كما في حديثك أعلاه عني – في صفين والجمل، أو يحاول التمنطق بمذهب فكريٍّ حداثوي كـ”العلمانية” ليخرج من جعجعة الأول ويدخل في إشكالية المصطلح والمفهوم في الثاني، وهذا بغض النظر عن التطبيق.. هذا الأمر ينطبق على الجميع المثقف والمتدين والمواطن العادي بمختلف توجهاتهم..
أنا أؤمن بأن الثورة أسرع وسيلة للتغيير، التغيير بحدّ ذاته ثورة سواء أكان ذلك التغيير فورياً أم على مدى عقود.. لكني لا أسعى لأكون “أورويل”جديد لأن قامتي ببساطة أخفض من طاولة الطعام التي كان يجلس عليها، فإن كنتُ ما زلتُ أفكر بتلك العقلية في كتاباتي الهزيلة فهذا لأن هناك عشرين مليون آخر مثلي.. ما زالوا يعيشون على نفس الصفحة، هذه القصص المألوفة جداً في أحاديثنا اليومية ربما يصاب البعض بالضجر من كثرة تكرارها.. إلا أنها تستمر وتستمر وتستمر.. لأنها وسيلة للضحك حتى البكاء، الضحك بصوت عالٍ قد يؤدي إلى إيقاظ البعض. البعض الآخر يعتبرها مورفين مؤقت يشعر مستخدمه بالنشوة المؤقتة رغم حالته المزرية وقد يشعر بحافز للتغير وقد لا يشعر بشيء.. آخرين يعتبرونها تشبه العادة السرية تعطي متعة مؤقتة وتزول ولا تغير من الحقيقة شيئاً..!! وكل ذلك يعود للحس الساخر للقارئ نفسه وكيفية تعاطيه مع المادة بالنهاية..
آلمني ما نشرته “صحيفة الهدهد” لصاحبها الدكتور محيي الدين الللاذقاني في بداية هذا الشهر عندما أدرجت مقالاً عن المدونة معنوناً بـ: “مدون سوري يسيطر القمع على تفكيره يقدم قراءة أستخباراتية ساخرة للأبراج الفلكية” تحدثت عني بقولها: “والملاحظ على المدون أنه مسكون بأفكار القمع وحكايات المخابرات وهذا شيء طبيعي في سورية”.. هذه القوقعة التي أنا فيها – رغم أني أتقمص شخصية الشخص القابع فيها – هذه القوقعة لا تغلفني أنا فحسب فكما قلت هناك أكثر من عشرين مليون شخص آخر.. لا يستطيعون أن يقولوا للأبيض أبيض والأسود أسود.. على الرغم من أنني كنت أتمنى أن أكون أنا وحدي المعني بها فقط.. إلا أن هذا الشيء هو شيء “طبيعي”، وهذا “الطبيعي” جداً تولّد عبر فترة تاريخية ليست بالقصيرة لذلك ما زال الكثيرين يشعرون بوطأة هذا التاريخ على كاهلهم. نفض غبار هذا التاريخ والانتقال إلى الإنسان كإنسان فقط هذا اليوم لا يتم بالتغاضي عن الماضي، يجب أن يكون هناك مصالحة مع هذا التاريخ لنستطيع الانتقال للمرحلة التالية..
يبقى السؤال إن كانت لهذه الأحاديث أي قدرة على إحداث ثغرة ما في البنية الفكرية التقليدية لهذا المواطن؟!! وما هو الأسلوب الأنجع في مخاطبة جيل صغير محظوظ جداً لوجوده في فترة تاريخية من الحياة البشرية تم فيه اختراع إعلام الفقراء (الانترنت) إن صح التعبير.. وهل تشكلّ كلّ مناقشاتنا المتداولة على صفحات مدوناتنا – سواء أكانت تناقش التدوين المحلي والنهوض به أو سواء تلك التي تناقش الفجوة بين العلمانية المفهوم والعلمانية المصطلح أو تناقش أي شيء يحتفي بالتراث والثقافة والفكر والتاريخ – هل تشكل كل تلك المناقشات وعياً زائفاً للحقيقة أم محاولة لنفض غبار ذلك التاريخ والمصالحة معه..؟!! إن الحرية والعقل وجهان لعملة واحدة إن غابت إحداهما غابت الأخرى، فهل من الممكن أن نملك إحداها ولا نملك الآخر؟!!
ثم نعم، أنا محبط جداً هذه الأيام بل محبط منذ عدّة أشهر، أكاد أقول بأني فقدتُ القدرة على فهم هذا الإنسان، وفقدت القدرة على مخاطبته أو حتى الإيمان به.. ولا أخفيك كثيراً ما تراودني نفسي بالتوقف عن عبثيتي إلا أني أعود وأمارس اللغة لأني أحب اللغة..
سأخبرك بقصة قصيرة محبطة جداً.. وغير قابلة للتعميم بكل حال.. حدث الأمر قبيل فترة الكريسمس قبل شهرين عندما صعدتُ القطار برفقة زميلتي التي كانت ترتدي تنورة قصيرة فالجو هنا صيفي حار، جلس ثلاثة شبان عرب أمامي في المقطورة نفسها اثنان منهما يرتديان نفس اللحية تقريباً، قالت زميلتي بأن هؤلاء الطلاب أجانب – تقصد الشبان العرب – ربما تتحدث إليهم لكونك تجيد العربية فتسألهم إن كانوا مرتاحين في البلاد وهل يواجهون أية مشكلة وربما تنصحهم بأرخص المطاعم والفنادق فلابدّ أنهم يشعرون بالوحدة!!
الحقيقة كنتُ أودّ أن أفعل ذلك إن لم ينزلوا في المحطة القادمة لأن المحطة القادمة قريبة لكني فوجئتُ بأنهم ينظرون إليّ والفتاة باشمئزاز وقرف بالغين، لم يظنوا بأني أجيد العربية فكانوا يتحدثون بلا قيود. وكما يقال “العربي راسه كبير” وجميع العرب “زعماء” أينما ذهبوا.
ورغم نظرات الاشمئزاز التي كانت تعتليهم إلا أنهم لم يوفروا فرصة إلا واسترقوا النظر إلى ساقي زميلتي.. لا بأس هذا الشيء لا علاقة له بالعرب وغير العرب هذه غريزة موجودة في كل رجل.. إلا أن الموضوع انحنى منحىً آخر عندما قال أحدهم معبراً عن قرفه: هؤلاء الأجانب لا يستحون!! ليردّ عليه الثاني بقوله: جميعهم أولاد حرام!! ويوافق الثالث بقوله: الله يلعنهم ويقصف عمرهم أولاد ال….!! الخ..
ما فعلته أنا هو أنني لم أستطع أن أقول شيئاً.. وبقيت أفكر في تلك الحادثة لفترة طويلة.. وأفكر ماذا يعني أن يكون الشخص “ابن حرام” أو “ابن زانية” أو ما شابه، هل سيكون إنسان من الدرجة الثانية، أو أنه سينتمي لفصيلة الحيوانات المقرفة؟!! ماذا يعني أن يكون رأسك كبيراً أينما ذهبت؟!! ماذا يعني أن تأتي شخصية هزيلة ومهزومة وتقوم بوضع تعريف تافه للآخر..؟!!
بالطبع لن تغير آرائهم من الحقيقة شيئاً.. لكنك ستأسف كثيراً لحالهم.. كثيراً جداً إلى الحد الذي ستصاب فيه بالإحباط..
عذراً للإطالة لكنك أثرت الكثير من حديث القلب ههنا..
شكراً لك..
مدونة جميلة فى انتظار الجديد
تحياتى
@HAMA
شكراً وأهلاً بك دائماً..
تحياتي أنا أيضاً..
والله ما فهمت عليك شي يا أخ ضياء !!
على العموم نحن لازلنا نعيش 1967 بقى لسى ما وصلنا لل 1984
والتدوينة جميلة بغض بعض النظر وصرف بعضه الآخر عما يمكن للقارئ أن يستشفه منها.
مع التحية.
انا أرى أن التعاطي مع الامور العامة بمنطق وذهنية سيادة المخابرات على الأوضاع العامة لا بد أن يتغير , أرى أن المثقفين ودعاة التغيير عندما يخضمون من دور المخابرات في الحياة اليومية إنما هم يخدمون تلك الذهنية التي أعلم ان مكاتب في الفروع الأمنية تتمنى بقائها ..
يا سيدي عندما ” شحطوني ” من الشارع إلى مبنى الأمن السياسي شحطاً مريعاً قلت أني لن أخرج بعده فؤجئت وللصراحة أقول فوجئت بوجود نمطين من التعامل داخل الدوائر الأمنية وتحديداً الأمن السياسي ..كان الرائد ثائر رجلاً مهذباً ” وهذه للتاريخ ” وكان مخابراتي الثمانينيات الذي ما زال يؤمن بأن له قوى سحرية قادرة على إركاع أكبر جبروت في الدنيا ..
طلب مني وممن ” شحط ” برفقتي أن نوقع على تعهد بألا نعيد ما إرتكبته أيدينا من حق مشروع فرفضنا جميعاً وكنا من تيارات فكرية مختلفة ولم يستطع احد رغم طريقة التهديد والترغيب التي إتبعت أن يسحب منا تعهداً …
أرى أن طريقة تقديمنا لهذه الاجهزة معمم بشكل كبير …ففي حقيقة الأمر كل شيء يخضع لقوى الضغط الشعبي وكم بمقدورها أن تبرهن للعالم أجمع بأنها قوة شريفة تخاف على مصلحة البلاد ومستعدة لان تضحي دفاعاً عنها بهذه تستطيع مجابهة الدنيا كلها .
تحياتي الحارة
أجمل ما قرأته اليوم.
شكراً مداد
@ مداد،
اعذرني أني لم أقرأ ما كتبته رداً على كلامي سوى الآن.. اسهابك ليس سوى الدليل ذاته الذي يعيدني لقراءتك مجدداً ومجدداً، اسهابك فيه من اللغة بقدر ما فيه من الإحساس بالمسؤولية والمحاكمة العميقة لواقع الأشياء..
أوافقك حين توضح لي سبب تبرمك بهذا العالم، وتشير بالبنان إلى مواطن الهشاشة في عقلية مجتمعاتنا، ولكني أخالفك حين تنسى اللغة والأسلوب لصالح الفكرة التي أحياناً أجدها، وأحياناً لا أجدها… لفرط (وجودها) .. ربما.
أعدك بأن حس القراءة الساخر موجود على الدوام، ولك مطلق الصلاحية أن تحاكيه وتحكي له. ولسنا هنا إلا لنمارس – كما قلت تماماً – لغتنا. تعجبني هذه الممارسة “الجماعية” للغة.
تحية
تروق لي تدويناتك ولكن, حبذا لو تقلل من اللعن اخي العزيز …
وصلت الفكرة مع أنو قشرة الدماغ مقشرة بس شكرا الك..
كلما مررت بهذه المدونة..اقول:
هنا روحي..
تحية كبيرة لك , من دون تصفير.
لا تتعجبوا ان سمعتم بهذه القصص تكون حقيقية، هذا هو العراق زمن الدكتاتور صدام، حيث كان يعتقل اي شخص يتقدم ببرائة اختراع الى دائرة برائة الاختراع ومهما كان اختراعه، لان اي اختراع في العالم يخيف الطواغيت ووجود اي عالم في البلد هو قلق للدكتاتور. اللهم انزل غضبك على الطواغيت من الرؤساء الأعراب
رهيبة ، ياسيدي لازم تخلي الناس تدفعلك مصاري لتقرأ عنجد مدونة تقرأ شرعا
رائعـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــه! *تصفيق*تصفيق*!!
شكراً مداد على هذه القطعة الفنية المذهلة!! كنت استمع الى اغاني فرييل و الموسيقى الفرنسيه الساخره تمتزج مع كلماتكَ المبدعة, لقد استحوذتْ كتابتك خيالي… يجب عليك ان تكتب/تُخرج فيلماً! ^_^
هههههههههه
سأكتب سيناريو عن حياتي اليومية.. سيناريو كوميدي ومأساوي معاً..
أحتاج إلى من يتبنى أعمالي : )
حتى أجد مديراً لأعمالي أقترح أن تتبرعي لدعم المسيرة..
آه يا الهي! هل طلبت مني ان ادعم اعمالك!!؟؟… نعـــــــــــــــــم! و”الف نعم”… و اي مجنون سيرفض؟
حقاً حقاً!! اذهب لرؤيه منتج او مخرجٍ ما, انت قادرعلى ما يسمى بل ‘الابداع‘.. لن اقول بانك “تخلق شيئ من لاشيئ”… لاكنك تترجم الافكار الى لغةٍ اخرى (ليس فقط العربيه..) ..لغه الفنْ, ففي نهايه المطاف رسالتك ستصل عبر الاعلام لجماهير اوسع مثل هزةٍ اوقعت ما ليس ثاب. انا الي عالي عملتو! الآن حان دورك للتفكير في الامر.
عن جد اذا سمحت ايـــــــــــي فرصة Give it a Go!
…………. كنت افضل القول “ابحث عن الفرصة” : )