مُتكّأ..

فبراير 9th, 2010 Leave a comment Go to comments

الموسيقي الضريرمتعبة هي السماء فوق مدينتي، النجوم المدفونة في أدخنة المصانع تسير فوقها مترهّلة تشي بالموت، عازف الأوكورديون الضرير تحت الجسر المقابل لشقتي يعزف “فيفالدي” ويبيع الهواء للمارّة؛ المارّة الذين لا يعيرونه أدنى انتباه يسيرون بسرعة في خطوط مستقيمة متقاطعة وغير متقاطعة، المطر يزيد من رتابة خطواتهم. وبرودة الهواء يزيد من تشنّج مفاصلهم..

العاشرة شرقاً؛ العازفُ يستدعي أبدية الجحيم ويلوّن مزاج الليل بملحمة من صنع”فاغنر” هذه المرّة، قلقٌ مرمّد يختزلُ الكلام في فمي.. أعدُّ الموتى في تلك الملحمة: واحد.. اثنان.. أربعة.. عشرة.. تسعة عشر.. وستة وعشرون.. يضيق فرحي أكثر وأنا أراهم يسقطون في عيني.. تضجّ موسيقى جنائزية في رأسي “تباً اللعين لا يعرف المهادنة!!”، أغلقُ ستائر عينيّ وأتكوّر على أطرافي في العتمة.. الكائنات المعطوبة تسرقُ الوجوه التي تضجّ على جدران رأسي.

يتوقف الصوت فجأة.. في جوف الصمت يخرج العازف العجوز بقامته العمياء يأخذُ شيئاً من دمي ويرحل خلف شتات الأشياء..!!

أفتح عينيّ مرة أخرى.. يشدُّ العجوز ظهره المقوّس، يفتعلُ السراب.. ينظر حوله في الفراغ.. يبتسم.. ويرفع قبعته احتراماً لجمهور السراب.. تلك الحركة تُفسح للضحك البليد بالتسلّل لشفتي المبللة بركامٍ ثقيل.

عيني المثقوبة تنزفُ التفاصيل الصغيرة بدفء، تلك التفاصيل تعبرُ ستٍّ وعشرين مِيتة مضت وأنا أبحثُ خلالها عن زمنٍ ضائع في عالم افتراضي.. الرّخّ مات فيها والشاه مات.. وهي أيضاً ماتت.. وأنا مِتُّ قبلهم.

أغلق النافذة وأعود إلى ضيفتي التي لم أرها منذ سنوات، أقدّم لها القهوة مع رائحة أمي.. تتفحصني هي بعينين فاحشتين.. وأراقبها أنا بألف عينٍ أقلُّ فرحاً..
- ما بك..
- لا شيء.. الشتاء أكثر برودة هذا العام.. أليس كذلك!!؟

Share

مواضيع ذات صلة:

  1. وطنٌ من كلام..
  2. لا غيمة للأشجار..
  3. كلب الوالي..
  4. ثرثرة-2

  1. تاج الدين
    فبراير 9th, 2010 at 22:08 | #1

    يعجز لساني عن التعبير .. وغابت كل الكلمات القادرة على وصف إعجابي برائعتك هذه .. واكتفيت بتوزيعها على العالمين ليشاركوني متعة قراءتها ويشاركونك رؤياك الإبداعية .. دمت ودام نبض قلمك .. http://tajeddine.elaphblog.com/posts.aspx?U=1802&A=40048 … بالمناسبة أنا على إطلاع بكل جديدك لكني قليل التعليق .. أطيب التحايا.

  2. زكي لصدير
    فبراير 9th, 2010 at 22:33 | #2

    دائما أحبك
    بكل صورك وجنونك وتجليك وألقك وبهائك وألوانك وفتنتك

    أحبك ايها النبي المؤجل
    أحبك أيها الصادر الوارد الدليل الحادي كزاجلة أو بوصلة للطريق

    أحبك ياصديقي

  3. فبراير 11th, 2010 at 03:56 | #3

    الشي إلي قرأتو عنجد خيلة.. ومو طبيعي و عم فكر إذا بتسمحلي شي نهار انشرا على مدونتي

  4. فبراير 11th, 2010 at 14:55 | #4

    @تاج الدين
    أهلاً بك دائماً قارئاً ومستمتعاً، ناقداً ومعلقاً..
    رغم أنني قد لا أرقى..
    شكراً لك..

    @زكي لصدير
    ايه يا صديقي كم أنا فقير أمامك..
    اشتقت لتبادل الود معك..
    بالمناسبة أين أصبحنا من “الحانة”؟!! سيسعدني أن أطلع عليه قبل الطبع..
    محبتي

    @decemberforever
    شكراً إلك عالكلام اللطيف.. بالطبع فيك تاخدي أي شي من هالمدونة بأي وقت وتنشريها بأي مكان..
    ودي..

  5. Hasko
    فبراير 12th, 2010 at 15:53 | #5

    ما الذي يجعلني أعتبر نفسي بشرا.نعم فكرت بكل شيء تافه يمكن أن يعبر عن شعوري. لكن يبدو أنها كلها مبتذلة. ستكون عدة جمل قصيرة تبدأ بهمزة السؤال و ثم استنتاج أسخف من السؤال نفسه. ربما إنسانيتي هي شعوري بمدى إبتذالي لنفسي. وتكرار الكلمات..و تكرار الكلمات..و..رار الكلمات.. آه.. بقدر ما أنا صاح..بقدر ما أنا غير قادر على تسمية الأشياء. ربما يجب أن أكتفي بوجودي وأتخلى عن إنسانيتي، فهي التي تثقل علي. فما الذي سيفعله أي متعب غير التخلي عن أثقل الأمور.
    إني أرى فتات إنسانيتي في هذه المدونة فشكراَ.

  6. فبراير 12th, 2010 at 18:16 | #6

    وأنت أيضاً.. مرحّبٌ بك دائماً..

  7. محمد خير الحريري
    فبراير 13th, 2010 at 04:23 | #7

    لغتكَ متعبة يا صديق
    وأنتَ غائبٌ وحاضِر

    كم جميلٌ ومُقلِق ، ما قرأته لكَ هنا

    كن بخير
    وَ
    أينك .. أينُك ؟

  8. Hend
    فبراير 16th, 2010 at 03:17 | #8

    أعشق الحضور دوماً لمداد ..
    فهنا دوماً شيء مختلف .. مختلف جداً ..

  9. فبراير 16th, 2010 at 20:07 | #9

    @محمد خير الحريري
    متعبٌ حدّ الثمالة يا رفيق.. أتسوّل الوقت ولا أجده..
    أظنني مصاب بلوثة..
    ربما..

    @Hend
    مرحبٌ بكِ هنا سيدتي وسع السماء.. واتساع المدى..

  10. Asma
    فبراير 17th, 2010 at 02:57 | #10

    انت كتبت دي امتى؟؟؟ حلوة كتير يا مدادنا

  1. فبراير 10th, 2010 at 02:56 | #1