لا..

يناير 23rd, 2010 Leave a comment Go to comments

أغلق الرجل الذي لا اسم له باب شقته الصغيرة وأقفل الأبواب جميعها بالمفتاح كما يفعل عادةً، وضع المفتاح في جيب سرواله الداخلي، ثم استلقى على سريره وانتظر حلول الليل.. انسحب النهار شيئاً فشيئاً تاركاً أثراً مقلقاً على وجهه.

الساعة الواحدة بعد منتصف الليل، أحكم إغلاق النوافذ وأسدل الستائر المعتمة، جلس على فراشه يتنصّت جيداً لأية حركة أو همسة أو حتى مواء قطة أو عواء كلب في الجوار.. لم يسمع شيئاً!!

تأكد بأن الصمت قد اغتصب كل شيء حوله.. أشعل شمعة صغيرة وانسكب تحت فراشه بهدوء.. تأكد بأن ضوء الشمعة لن يتسلل خارج الغطاء، دقات قلبه بدأت بالتسارع.. العرق يتصبّب من وجهه ويديه ترتجفان.. لكنه يرهف السمع لأية حركة أو أية موجة صوتية ممكن أن يلتقطها غشاء أذنه.. تنهد بارتياح بعد أن تأكد بأن لا صوت يُسمع.

أخرج ورقة صغيرة من جيب قميص نومه وقلم رصاص.. بلل رأس قلم الرصاص بشفتيه وكتب على الورقة الصغيرة بخط صغير كلمة واحدة: “لا”..
تنفّس بعمق وابتسم ثم أعاد الورقة إلى جيب سرواله الداخلي هذه المرة.. أطفئ الشمعة وكتم سعاله الناتج عن دخانها..

رويداً رويداً أخرج نصف رأسه من تحت الغطاء، إحتاج لوقت حتى تتكيف عينيه المسكونتين بالقلق مع الظلام المحيط حوله.. أخذ يراقب المكان بعينين جاحظتين، أذنيه هي الأخرى ترهف السمع لتلتقط أي شيء.. نفخ في ارتياح مرة أخرى.. ثم أغمض عينيه واستسلم للنوم.
رنَ جرس المنبه في الساعة السادسة صباحاً معلناً عن نسخة جديدة لليوم السابق، استيقظ متحككاً أجزاءه.. اتجه إلى الحمام، رمق نفسه في المرآة، ابتسم فظهرت أسنانه الصفراء.. شتم مقدمة برنامج “صباح الخير” وإعلاناتها المتكررة حول معجون الأسنان الذي يستخدمه.. أخذ حماماً بارداً ثم تناول فطوره على عجالة.

لبس ثيابه واتجه نحو المصعد.. ضغط زر الطابق الأول، تفرّس وجهه في مرآة المصعد وهو ينزل الطوابق التسع.. ألقى التحية على البواب الذي لم يعره انتباهاً كعادته. وضع قدمه خارج البناء، تذكّر الورقة الصغيرة.. التهب وجهه فجأةً، وكأنه رأى شبحاً، عادَ مهرولاً إلى باب المصعد.. رمقه البواب هذه المرة بلؤمٍ وشك، أو هكذا اعتقد الرجل الذي لا اسم له، وَجد المصعد مشغولاً في الطابق السادس.. هَرول عبر الدرج نحو الأعلى..

صعد الدرجات كالمجنون.. قطع كل خمس درجات بقفزة واحدة نحو الأعلى.. تعثر ووقع لكنه استمر بالصعود جاهداً.. أصبح يتنفس بقوة ويصعد الدرج كمن يلاحقه الموت.. وصل إلى باب شقته، ظنّ بأنه استغرق سنوات حتى وصل إلى باب شقته، ارتبك وهو يبحث عن المفتاح المطلوب.. طوال عشر سنوات يفتح نفس هذا الباب بنفس المفتاح لكنه في هذه اللحظة بالذات لا يدرك أي مفتاح هو لهذا الباب اللعين.. جرّب المفاتيح كلها حتى فتحت إحداها في النهاية.

رمى بجثته إلى الداخل وهو يلهث، اتجه إلى غرفة نومه وأخذ سرواله وتأكد بأن الورقة في مكانها، عاد إلى باب شقته وأقفله بالمفتاح.. تنفس الصعداء.. أخذ الورقة الصغيرة وهرسها في يده، ثم رمى بها في سلة القمامة.. نظر إلى سلة القمامة ثم عاد فأخذ الورقة ووضعها في الخزانة ضمن جيب قميص قديم، أغلق باب الخزانة.. لكنه سرعان ما فتحها وأخرج الورقة.

أخذ يلفّ في البيت بدوائر غير منتهية ويفكر بارتباك أين سيخبأ بالورقة.. وضعها في عشرين ثقباً في الشقة لكنه سرعان ما كان يستعيدها.. وضعها في المطبخ، ووضعها في بيت الخلاء.. وضعها تحت السرير ووضعها أسفل حذاءه.. لكنه سرعان ما كان يسترجعها..
أخيراً وضع الورقة في فمه ثم لاكها وابتلعها.. وذهب إلى العمل..

أصيب بالإسهال لعدّة أيام بعد ذلك.. أصبح يملك إقامة دائمة في بيت الخلاء.. علم بعد ذلك بأن كلمة “لا” تسبب الإسهال وبالتالي ستكثر زيارته لبيت الخلاء.. عادةً لا تصاب الشخصيات الرئيسية في القصص بالإسهال لكن مَن قال بأن الرجل الذي لا اسم له هو الشخصية الرئيسية؟!!. على كل حال لنكمل القصة: ).

جلس في صباح اليوم الرابع في الحمام، أمسك بالجريدة يقرأ أخبار العالم وهو لا يعرف إن كانت رائحة القذارة تأتي من الصحيفة المحلية أم من تحته!!.. وضع نظارته السميكة ليقرأ خبراً في الصفحة الأخيرة وهي صفحة الطرائف: “مقتل مسؤول على مرأى ومسمع من الناس في دولة مجاورة..، شاهد عيان: كان الرجل النحيل يتبادل الحديث مع الرجل الأصلع على ناصية الشارع ثم فجأة أخرج الرجل النحيل مسدساً وأطلق النار على رأس الأصلع فأرداه قتيلاً على الفور.. “وعندما سُئل الرجل النحيل عن دافعه لقتل المسؤول قال: لقد سخر من حلمي!!!”..

بعد أن أنهى قراءة الخبر انتهى به الأمر على حافة البكاء لكنه بدلاً من ذلك بدأ يضحك، وارتفع صوته بالضحك.. وأخذ يضحك ويضحك.. واستمر في الضحك حتى المساء.. ضحك كثيراً.. وكثيراً.. حتى ضج الجيران منه.. لكنه استمر في الضحك ولم يبالِ بشيء..
وقبيل منتصف الليل بقليل توقف صوت الرجل الذي لا اسم له ومات..

ولم يتم العثور على الورقة الصغيرة التي كتب عليها الرجل الذي لا اسم له كلمة “لا” بعد ذلك أبداً..!!
انتهت..

Share

مواضيع ذات صلة:

  1. الفضيلة..
  2. وداع من نوع آخر..
  3. رقص مع حبة مطر
  4. براءة اختراع

  1. Asma
    يناير 23rd, 2010 at 19:08 | #1

    ماهو اكيد محدش هيعثر على الورقة اللي مكتوب عليها لا D:

    قصة غريبة بس حزينة (الراجل مات وهو ملهوش اسم وكمان ورقته موصلتش لحد ومات لوحده ومحدش اهتم بيه…نهاية حزينة جدا)

  2. يناير 23rd, 2010 at 21:47 | #2

    نسج جميل جداً , إستخدامك للغة بسيطة ومحكم ومعبر … عوامل نجاح كثيرة بآن واحد
    بالإضافة إلى المتعة التي حصلت عليها أثناء قرائتي هناك أكثر من فائدة يشير لها موضوعك
    خصوصاً عندما أشرت للرجل الذي قتل الآخر لأنه سخر من حلمه … حكمة معبرة ضمن الموضوع الكبير وهو ” لا ”

    أبدعت … أدام الله عليك إبداعك :)

  3. walid
    يناير 23rd, 2010 at 21:52 | #3

    الحقيقة …. قصة صغيرة … لكنها أكبر من واقع أمة … لمن يتقن القراءة لما بين السطور
    سلمت

  4. سامو
    يناير 24th, 2010 at 00:37 | #4

    قصه ممتعه ..جذابه ..وفي داخلها خبايا لا ..
    لا كلمه بحرفين قليل من يستطيع أن يقولها بصوت عالي ..
    هاذا الرجل المسكين مجهول الهويه فقط كتب لا بدون ان يعلم به احد وحصل له ما حصل وفي النهايه مات حزنا وضحكا ..
    لكن ماذا لو قال (لا ) بأعلى صوته ..ترى كيف كان سيموت ؟..

    مبدع كما انت ولتبقى ..

    ودي وتقديري لك عزيزي..

  5. يناير 24th, 2010 at 05:28 | #5

    و ليش ندور على الورقة ما كل واحد منا الو ورقتوا و لكن الو طريقة تانية ليتخلص منها
    حلوة و غنية برغم اني تمنيت انها تستمر اكتر

  6. يناير 24th, 2010 at 09:07 | #6

    إسهاب في الوصف وإبداع في المضمون ..

    إيحاء بالعبور

  7. يناير 24th, 2010 at 13:16 | #7

    شجاعة منه أن يتخذ قرار موته …

    جميل جدا ..

  8. Billal
    يناير 25th, 2010 at 02:37 | #8

    I think this way you have your revenge from the word YES but in a disturbing ending. Should the YES man die if he ever said NO.

  9. اخت الرجال
    يناير 25th, 2010 at 02:47 | #9

    بصراحة رائعة من فترة طويلة ما استمتعت بقراءة ممتعة وشيقة واسلوب ساخر جميل متل هيك بس لو كل واحد منا حكا لا بدل ما نكتبها ونبلعها متل اخونا المجهول كان وكان وكان يمكن صار اشي

  10. يناير 25th, 2010 at 03:06 | #10

    كتير خطك كبير يا ريت تصغرو شوي صديق

  11. يناير 25th, 2010 at 04:17 | #11

    صديقي دائما تذهب لما هو أبعد من الوقف قصة قصيرة بنمنمات ممتعة موجعة رائع كالعادة

    مودي

  12. يناير 25th, 2010 at 07:59 | #12

    مساء الخير ..
    يمكن أن يحصل معك تماما كالذي حصل مع الرجل الذي لا اسم له ..إن لم تحذف هذه التدوينة ..
    لكنني لا أنصحك بهذا .. لأنه في الحالتين لم يعد للحياة معنى ..

  13. jam
    يناير 25th, 2010 at 20:02 | #13

    مات بدون عنوان

  14. يناير 27th, 2010 at 04:16 | #14

    لا … حرفين والكثير من الكلام
    سلاماتي لك مداد باشا

  15. nedal
    ديسمبر 6th, 2010 at 15:21 | #15

    لا نحتاج لتفتيش كثير بدواخلنا لنعرف هوية بطلك اظنه يملك ملمحا منا جميعا وبمعنى اصح نملك نحن منه ملمح امتلاكنا اياما ما هى الا نسخ مكررة من امسنا وها هو عاما اخر يرحل حاملا عصاه ولا نجد اجابة عن معنى الرحى التى ندور فى فلكها او معنى الوجود رحل كاتب مصرى جميل هو(ادريس على) تراه اقتنص السر المخفى علينا وهل سيتاتى لنا يوما ما ان ندرك الجدوى من هذة المسرحية العبثية ام الامر كله مجرد كائنات الحلم الجميلة؟

  16. nedal
    ديسمبر 7th, 2010 at 12:01 | #16

    طوال عمرى وكلمة (لا)على طرف لسانى لا استطيع حبسها صارت بيننا الفة لا اقوى قمعها او مقاومتها تجعلنى طيلة الوقت احاصر بالدروب المفخخة تعلن الاعتصام داخل شراينى فتصنفنى بين الكائنات طفلة مزعجة ؛ارسمها بين اوراقى بحر جنون بها اقتنص الخوف والج بوابات الروح وعندما يلفظها الاخروون تطلب اللجوء لحنجرتى ونزقى ؛رغبتى فيها تزلزلنى فلا اتمكن من نفيها .فى حضرته تمكنت من تحديد اقامتها جعلتها ترحل لمنفى اختيارى امام اعصاره تراجعت واعلنت الانسحاب .

  1. يناير 24th, 2010 at 00:34 | #1