مازوخيا ومزامير فجائعية (3)

(المزمور السابع)..
نسيمات هواءٍ شتائي قارس تزحف من ثقوب الجدار، تعوي في عظامي وتتسلّلُ إلى خلايا جسدي فتثقله برقصة غير مكتملة الارتعاش من لهب الاحتضار.. تقلّب دفتر ذكرياتي خيبةً إثر أخرى فتهذي تلك الوريقات بأسماء دفنتها في قاع لحدٍ لم يقدَّر له النجاة.
أمسكُ بذلك الكرّاس بارتعاشة يدي المغلولة إلى عنقي. وكهاربٍ من أجداث الأرض تتجمّل أذنايَ بأصوات الجماجم المرتطمة على مدفن الصفحات؛ وجوهٌ جائعة ترمقني ببلاهة مرتسمة على هامش الأوراق تنفثُ غبار قصص موجعة مكلومة الآه، ما تزال مقيدة بأنحاء جسدي تنخرُ صريراً بتمتماتٍ كسيحة فأردِّدُ تعويذتي العتيقة بصمت.
تبتلّ أصابع قدمي بدمعٍ يتساقط بثقة، وتسيل نظراتي مع كلّ فقرة أتجاوزها خوفاً من ملامح مختنقة دفنت بجواري. وعند مفرق الأحداث أسحبُ خيطاً مهترئاً لينثر لي آخر صفحة توقف فيها دمي دقيقة صمتٍ عن اقتراف نفسهِ ونَفَسه.. أووه كان ذلك من زمنٍ بعيد.. بعيدٍ جداً.. بل أكثر بُعداً من أي شيء آخر..
(المزمور الثامن)..
أتذكّرُ ذلك اليوم الأخير قبلَ توغّلي في خفايا الموتِ طريداً؛ حين التهمتني السماء عصفوراً بُحَّ غناؤه، أتذكر أن السماء أيضاً كان لها لونٌ مختلف، وطعمٌ مختلف، ولم تكن خيوطها تفضح وجعي المتشتت صوب كلّ ناحية. لم يكن هناك فراغٌ هلامي مقفر يستوطن أزقة رأسي وشقوق أيامي. ولم تكن التعاسة تودع عندي سياطها كلّما عصف بأزقة ذكراتي صرير ريحٌ عاهر الضجيج يقتلع أوتاد صبري بفجاجة ويبعثر بقايا الإنسان في داخلي.
كنتُ أتساءل في تلك الأيام عندما كان النهار نهاراً والليل ليلاً: “ترى ما طعمُ الملح؟!!”..
كنت حينها جميلاً وأنيقاً ولم يكن هناك ثمّة شحوبٍ يعتلي وجهي، كنتُ فريد الحضور وكنتُ أُشغل الحياة بي. كنتُ أرقب أيامي الجميلة بعينين استقرّتا كجوهرتين في وجهي تلمعان بريقاً مختلفاً عن الشحوب الذي يستوطنهما حالياً، وكانت دهشتي بالحياة في كامل أنوثتها وأعوامي الجميلة لم تبلغ الحلم بعد..
لكن، في ذلك اليوم قبل مماتي بكت النقطة آخر السطر الأخير فأسدلتُ الستار على نفسي ووقعتُ بلا أنا.. وكان ذلك.. كلّه..
قبل أن أكون.
————————————–
مواضيع ذات صلة:
- مازوخيا ومزامير فجائعية (القسم الأول)
- مازوخيا ومزامير فجائعية (القسم الثاني)
مواضيع ذات صلة:
مرحباً بك.. ربما تكون هذه زيارتك الأولى لهذه المدوّنة وترغب في الحصول على بعض المعلومات حول المدوّنة نقترح عليك زيارة 







لسة مدونتك رائعة زي ما هي مع انها نكدية شوية (لا مش شوية نكدية كتير بصراحة D:)
تحياتي لك
مداد :
أيها القاطن في حنايا صفحاتك والذاكرة..
إلى متى ستتلذذ في تعذيب نفسك ؟؟
Asma
خلاص يا ستي المرة الجاية حكتبلك نص مش نكدي عشان ما تقوليش (مدونة نكدية).. أهو على سبيل التغيير يعني..
أخي الكريم مداد …
أنا أضفت رد على تشريفك لي بالمدونة بموضوع ( لا للفساد …. و لكن )
أرجو منك الاطلاع عليه ومراسلتي على الأيمل …
و تشرفنا بمعرفتك
أحببت الإسم .. فقرأت الموضوع .. يعجبني فيك ذوقك الرفيع .. ورومانسيتك الواضحة ، أنا ايضا من برج الدلو .. فكيف عرفت برجك ؟؟؟؟